إظهار / إخفاء الإعلانات 
لبيك ياحسين
عدد الضغطات : 6,155

ونطقت الروح الالهية بلسان القلب العلوي


   
العودة   منتديات عشاق الامام علي > • عشاق الإسلامية • > اسلامي هو حياتي

   
الملاحظات

اسلامي هو حياتي الاسلام حقيقة الرسالات وجوهر دعوة الانبياء وبه تسعد البشرية وباتباع نهجه يستنير القلب وتزهر الروح وهو الحقيقة العظمى التي ترسخت في نفوس كل الوجود

ومضات - لفضيلة الشيخ حبيب الكاظمي.

الومضة رقم 1: أوثق عرى الإيمان إن من أوثق عرى الإيمان هو ( الحـبّ ) الذي تبتـني عليه هذه العلاقة المقدسة بين العبد وربه ..ولا ينقدح هذا الحب في القلب

موضوع مغلق
   
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم مشاهدة المشاركات المشاركة التالية
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
   
#1  
قديم 02-16-2013, 04:53 AM
أسطورة العشق الإلهي..
رقية حسين غير متواجد حالياً
SMS ~ [ + ]
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
اوسمتي
وسام م 2طباختنا وش ناقص شكراً لااشتراككم في فعالية صورة ومثل 
لوني المفضل Indigo
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل : Feb 2012
 فترة الأقامة : 1014 يوم
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 العمر : 24
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم : 346
 معدل التقييم : رقية حسين is a jewel in the roughرقية حسين is a jewel in the roughرقية حسين is a jewel in the roughرقية حسين is a jewel in the rough
بيانات اضافيه [ + ]

اوسمتي

افتراضي ومضات - لفضيلة الشيخ حبيب الكاظمي.




ومضات لفضيلة الشيخ حبيب الكاظمي. 70.gif
الومضة رقم 1: أوثق عرى الإيمان
إن من أوثق عرى الإيمان هو ( الحـبّ ) الذي تبتـني عليه هذه العلاقة المقدسة بين العبد وربه ..ولا ينقدح هذا الحب في القلب إلا بعد انحسار جميع ( الحجب ) في النفس ، ولا تمنح هذه الجوهرة - التي لا أغلي منها في عالم الوجود - إلا للنفوس التي أحرزت أعلى درجات القابلية لتلقّي هذه الجوهرة النفيسة ..وإن هذا الحب بعد اكتمال مقدماته ، يستشعره القلب بين الفترة والفترة ، فيكون بمثابة النور الذي كلما أضاء للإنسان مشى في الطريق ..ويستمر العبد في سيره التكاملي - بمعونة الحق - إلى أن يستوعب ذلك الحب جميع ( أركان ) القلب ، فلا حب إلا لله أو لمن له فيه نصيب ..ولو أمضى العبد كل حياته - بالمجاهدة المضنية - ليمتلك هذه الجوهرة قبيل رحيله من الدنيا ، لكان ممن ختم حياته بالسعادة العظمى ، ولاستقبل المولى بثمرة الوجود ، وهدف الخلقة ، أولئك الأقلون عددا ، الأعظمون أجرا ، لا ينصب لهم ديوان ولا كتاب.

الومضة رقم 2: التألُّم من الإدبار
إن التألم الشديد من ( مرارة ) البعد عن الحق ، وعدم استشعار لذة المواجهة في الصلاة وغيرها ، ومواصلة تقديم الشكوى من هذه الحالة للحق الودود ، والتحرز من موجبات إعراض الحق المتعال ، مما قد يوجب ( ارتفاع ) هذه المرارة أو تخفيفها ..وكلما طالت هذه الفترة من الادبار والتألم ، كلما كانت ثمرة الإقبال أجنى وأشهى ..فالمؤمن اللبيب لا ييأس لما هو فيه من الإدبار ، وإن كانت هذه الحالة - في حد نفسها - مرضا يخشى مع استمرارها موت القلب ..ولطالما اتفق أن أثمر هذا الادبار المتواصل إقبالا ( شديداً ) راسخا في القلب ، بعد سعي العبد في رفع موجباته التي هو أدرى بها من غيره.

الومضة رقم 3: النظرة إلى الخلق
لو اعتقد العبد اعتقادا راسخا أن الخلق ( عيال ) الله تعالى - ومنهم أهله وعياله - لانقلبت لديه موازين التعامل معهم رأسا على عقب ، فيمتلك بذلك قدرة ( مضاعفة ) على تحمّل الأذى منهم ، لعلمه أن ذلك كله بعين المولى تعالى الذي يرعى عياله بعد خلقهم لهم ..بل يزداد ( حـبّه ) ورأفته لهم ، زائدا عن مقتضى العلاقة البشرية المتعارفة بين المخلوقين ..كما ( يبارك ) المولى فيمن يحيط به من عياله ، ويجعلهم قرة عين له كما ذكر القرآن الكريم ، إكراماً لقصده في إكرام من هم عيال الله تعالى ، وأحب الخلق إليه - كما روي - من نفع عيال الله ، أو أدخل على أهل بيت سروراً ..وقد روى عن النبي (ص) أنه قال : ** أقربكم مني مجلساً يوم القيامة ، أحسنكم أخلاقاً وخيركم لأهله…وأنا ألطفكم بأهلي **البحار-ج71ص387.

الومضة رقم 4: سبل تسلط الشيطان
إن من موجبات تسلط الشيطان على العبد أمور منها:
- عدم الرؤية له ولقبيله كما يصرح القرآن الكريم .
- استغلال الضعف البشري إذ ** خلق الإنسان ضعيفا **.
- الجهل بمداخله في النفس إذ هو أدرى من بني آدم بذلك .
- الغفلة عن التهيؤ للمواجهة في ساعات المجابهة .
والاعتصام بالمولى الحق رافع لتلك الموجبات ومبطل لها ، فهو ( الذي يرى ) الشيطان ولا يراه الشيطان فيبطل الأول ..وهو ( القوى العزيز ) الذي يرفع الضعف فيبطل الثاني ..وهو ( العليم الخبير ) الذي يرفع الجهل فيبطل الثالث ..وهو ( الحي القيوم ) الذي يرفع الغفلة فيبطل الرابع.

الومضة رقم 5: تزاحم الخواطر
إن من الملفت حقا تزاحم الخواطر بشكل كثيف حال الصلوات ، مما يكشف عن تكاتف قوى الشر من الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء ، في صرف المصلي عن مواجهة المولى جل ذكره ..وليعلم أن ما كان من الخواطر ( غير اختياري ) تقتحم النفس اقتحاما ، فذلك مما لا ( يخشى ) من إفساده ، وذلك كمن يصلي في السوق ويمر عليه في كل لحظة من يحرم النظر إليه ..فالموجب للإفساد هو متابعة الصور الذهنية الفاسدة ( بالاختيار ) ..ولطالما أمكن للمصلي قطع هذه الصور التي تصد عن ذكر الحق - ولو في أبعاض صلاته - ولكن يهمل أمرها طوعا ، فتكون صلاته ساحة لكل فكر وهمّ ، إلا محادثة المولى عز وجل ..ولهذا يصفه الحديث قائلا: ** وإن منها لما تلف كما يلف الثوب الخَلِق ، فيضرب بها وجه صاحبها **البحارج84ص316.

الومضة رقم 6: واقع القرآن الكريم
إن مما يقطع به المتأمل هو أن واقع القرآن الكريم ، ليس ما نجريه على ألسنتنا طلبا لأجر التلاوة فحسب ، وان كانت ظواهر الألفاظ - في مقام الامتثال - حجة على صاحبها ..وذلك لأن المعاني التي أنزلهـا المولى على قلب نبيه (ص) بحقائقها ( الملكوتية ) ، لم يدركها إلا من خوطب بها وهم النبي وآله (عليهم السلام) ..وعليه فان استيعاب هذه المعاني - التي توجب تصدع الجبال لو أنزلت عليها - يحتاج إلى استمداد من الحق ، لتتحقق ( المسانخة ) التي تؤهل القلب لتلقّي مرتبة من تلك المعاني السامية ، وهي مرحلة ( انفتاح ) الأقفال التي يشير إليها القرآن الكريم ..ومن مقدمات هذا الانفتاح: التلاوة الكثيرة ، والتدبر العميق ، والعمل بالمضامين مهما أمكن.

الومضة رقم 7: جهاز الإرادة
إن الذي يوجّه الإنسان في ساحة الحياة ، هو ذلك الجهاز الذي ( تنبثق ) منه الإرادة ، و هذه الإرادة هي التي ( تصدر ) أوامرها لعضلات البدن ، فيتحرك نحو المراد خيرا كان أو شراً ..وليس من المهم أن نعلم - بعد ذلك - موقع هذا الجهاز أو آلـيّة عمله ..وليعلم أن للشياطين همها في الاستيلاء على هذا الجهاز المريد ، إذ كما أن الاستيلاء على المملكة يتوقف على التحكم في قصر السلطان بما فيه ، كذلك فإن جنود الشيطان تسعى لاحتلال مركز ( الإدارة والإرادة ) في مملكة الإنسان ، وذلك بالتآمر مع جنود الهوى في النفس ..ولكنه بالمقابل فإن جنود الرحمن أيضا تسعى لحكومة النفس ، مستعينة بدواعي العقل و الفطرة والهدى ..والمسيطر - في النهاية - على ذلك المركز الخطير في الوجود ، هو الذي يتحكم أخيرا في حركات العبد وسكناته ، وقد عبّـر الإمام الصادق (ع) عن ذلك الجهاز المسيطر بقوله: ** به يعقل ويفقه ويفهم ، وهو أمير بدنه الذي لا يرد الجوارح ولا يصدر إلاّ عن رأيه وأمره **..فالمشتغل بتهذيب الظاهر مع إهمال الباطن ، كمن يريد إدارة الحكم و شؤون القصر بيد غيره ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) ما يصور هذه المعركة الكبرى القائمة بين هذين المعسكرين في عالم الوجود ، وذلك بقوله في دعاء الصباح: ** وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان ، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب والحرمان **.

الومضة رقم 8: تجليات التوجه للحق
إن التوجه إلى الحق سبحانه يتجلى في صور مختلفة ..فصورة منها تكون مقرونةً ( بالحنين ) شوقاً إلى لقائه ..وثانية مقرونةً ( بالبكاء ) حزناً على ما فرط في سالف أيامه ..وثالثة مقرونة ( بالبهت ) والتحير عند التأمل في عظمته وهيمنته على عالم الوجود ..ورابعة مقرونة ( بالخوف ) من مقام الربوبية ..وخامسة مقرونة ( بالمسكنة ) والرهبة عند ملاحظة افتقار كل ممكن حدوثا وبقاء إلى عنايته الممدة لفيض الوجود ..وسادسة مقرونةً ( بالمراقبة ) المتصلة وذلك للإلتذاذ بالنظر إلى وجهه الكريم ..وعندها تتحد الصور المختلفة للتجلي ، ليحل محلها أرقى صور الطمأنينة والسكون.

الومضة رقم 9: الحضور فرع الإحضار
إن حضور القلب في الصلاة فرع ( إحضاره ) ، وهو فرع سيطرة الإنسان على القلب بما فيه من هواجس وخواطر ..وهذا الأمر لا يحصل إلا بالرياضة والمجاهدة ، وحبس النفس - فكرا وإرادة وميلا - على ما يقتضه العقل المستسلم لإرادة الحق المتعال ..وليُعلم أن ضبط الخواطر والسيطرة عليها من أصعب الأمور ، لأنها تتوارد على القلب بغير حساب ..وطرد الخاطرة - وخاصة الملحّة منها - عسير بعد تمكنها في القلب ، ولطالما ترسخت الخواطر السيئة وصارت مادة ( لمـيل ) النفس ، ثم ( إرادة ) ما تقتضيه الخاطرة ، ثم ( سوق ) البدن لتحقيق تلك الخاطرة التي وردت على القلب من دون سابق تفكير ..وهذا سبيل من سبل خذلان العبد ، لسوء فعله المستوجب لذلك.

الومضة رقم 10: شدة التعبير
عندما يتأمل المتأمل في روايات المعصومين (ع) يجد أنهم يتطرقون إلى بعض الأمور بشيء من التأكيد ، يتجلى من خلال شدة التعبير وقوة التمثيل ، لردع أصحابها عن ارتكاب تلك الأمور ..فإننا نلاحظ غفلة معظم الخلق عن حقائق واضحة ، بها قوام سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وعليه فإن التذكير بهذه الحقائق الجامعة بين الوضوح والمصيرية في حياة العباد ، يحتاج إلى شيء من العنف والشدّة لتحريك هذا الوجدان ، بما يوجب انقلاباً في النفس يوقظها بعد طول سبات ..ومن هذه الروايات المعبّـرة عن شدة تأذي أولياء الحق من طبيعة علاقة العباد بربهم ، ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : ** ما أعرف أحداّ ، إلا وهو أحمق في ما بينه وبين ربه **البحار-ج78ص107.
الومضة رقم 11: ساعات الفراغ
تمر على الإنسان ساعات كثيرة من الفراغ الذي يتخلل النشاط اليومي ، ولو عُدّت هذه الساعات لمثلّت مساحة كبيرة من ساعات عمره ..فالمؤمن الفطن لا بد وان يكون لديه ما يملأ هذا الفراغ: إما بقراءة نافعة ، أو سير هادف في الآفاق ، أو قضاء حاجة لمؤمن مكروب ، أو ترويح للنفس حلال ..وإن من الأمور التي يحرم منها غير المؤمن ، هو العيش في عالم التفكر ( والتدبر ) الذي قد يستغرق ساعات عند أهله ، يناجي المولى فيها بقلبه ، كما قد يشير إليه الحديث الشريف: ** وكلّمهم في ذات عقولهم **..فيسيح في تلك الساعة بقلبه ، سياحة تدرك لذتها ولا يوصف كنهها ..وهي سياحة لا تحتاج إلى بذل مال ولا صرف جهد ، ومتيسرة لصاحبها كلما أراد في ليل أو نهار بتيسير من الحق المتعال ..ومن مواطن هذه السياحة المقدسة ( أعقاب ) الصلوات و( جوف ) الليل ، وهي سياحة لا تدرك بالوصف بل تنال بالمعاينة.

الومضة رقم 12: وجه الرب
لو مال العبد بوجهه عن المولى ، لمال المولى بوجهه عنه ، كما ذكره السجاد (ع) عند ذكره لحقيقة الوقوف بين يدي الجبار ( البحار-ج46ص34 )..فلو استحضر العبد - هذه الحقيقة - في كل مراحل حياته ، لكان ذلك كافيا ( لردعه ) عن كثير من الأمور ، خوفا من الوقوع في جزاء ذلك الشرط وما أثقله من جزاء !..وإذا مال المولى بوجهه عن العبد ، فإن استرجاع التفاتة المولى مرة أخرى يحتاج إلى جهد جهيد ..فالأولى بذي اللب ( ترك ) ما يوجب ميل وجه المولى ، بدلا من ( طلب ) الالتفات بعد الميل ..ويترقى الإنسان في سلم التكامل إلى مرحلة يرى فيها جهدا مرهقا في أن يميل بوجهه إلى غير الحق تبارك وتعالى ، بل يصل الأمر في المعصوم إلى استحالة ذلك ، بما لا يتنافى مع الاختيار المصحح للمدح والجزاء.

الومضة رقم 13: ميل العبد بوجهه
تكررت عبارة ( وجه الرب ) في نصوص كثيرة ..فالذي لا يستشعر جمال هذا الوجه - ولو في لحظات من حياته - كيف يمكنه ابتغاء ذلك الوجه ؟!..إذ أن الإنسان لا يتوجه نحو جمال مجهول لديه ..ومن هنا صعب قصد القربة ( الواقعية ) الخالصة لغير العارفين بالله تعالى ، إذ كيف يقصد القربة إلى وجه لم يستشعر جماله و لو في أدنى مراتبه ؟!..وشتان بين قَصْد من ( شاهد ) الجمال المطلق ، وبين قصد من ( وطّن ) نفسه على هذا القصد في عالم النية والألفاظ فحسب.

الومضة رقم 14: لذة الأنس بالحق
إذا مُنح العبد - من قِبَل المولى - ساعة الأنس واللقاء ودرك الجمال المطلق الذي يترشح منه كل جمال في عالم الوجود ، لكان ذلك بمثابة زرع الهوى ( المقدس ) الذي يوجب حنين العبد لتلك الساعة ..ولكان علمه بان تلك الساعة حصيلة استقامة ومراقبة متواصلة قبلها ، ( مدعاة ) له للثبات على طريق الهدى عن رغبة وشوق ، لئلا يسلب لذة الوصال التي تهون دونها جميع لذائد عالم الوجود.

الومضة رقم 15: لذة مخالفة النفس
إن مخالفة النفس في كثير من المواطن وخاصة في موارد ( التحدي ) الشديد ، تفتح آفاقا واسعة أمام صاحبها لم يكتشفها من قبل ..هذا ( الفتح ) وما يستتبعه من التذاذ بكشف الآفاق الجديدة في نفسه ، مدعاة له لتيسير مخالفة الهوى ، لدرجة يصل العبد إلى مرحلة ( احتراف ) مخالفة النفس ، فلا يجد كثير عناء في ذلك توقعا للثمار ، إذ يصبر أياما قصاراً ، تعقبها راحة طويلة ..شأنه في ذلك شأن أبناء الدنيا في تحمّل بعض المشاق ، وترك بعض اللذائذ الدنيوية طلبا للذة أدوم وأعمق ، كالمتحمل للغربة جمعا للمال ، وكالتارك لبعض هواه تقربا لمن يهواه.

الومضة رقم 16: القلب السليم
إن إتيان المولى بالقلب السليم ، يعد أمنية الأمنيات وغاية الطاعات ..والذي يميّز القلب وهو مركز ( الميل ) عن الفكر وهو مركز ( الإدراك ) عن الجسد وهو آلة ( التنفيذ ): أن القلب يمثل مركزاً للتفاعل الذي ينقدح منه الانجذاب الشديد نحو ما هو مطلوب ومحبوب ، سواء كان حقا أو باطلا ..فلا الفكر ولا البدن يقاوم - عادة - رغبة القلب فيما تحقق منه الميل الشديد ..ولذا نرى هذا التفاني نحو المراد عند من يشتد ميلهم إليه ، ولا ينفع فيهم شيء من المواعظ والوصايا حتى الصادرة من رب العالمين ..وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في ذيل قوله تعالى {وسقاهم ربهم شرابا طهورا**: ( يطهرهم عن كل شيء سوى الله ..إذ لا طاهر من تدنس بشيء من الأكوان إلا الله ) مجمع البيان-ج 10 ص 623.
الومضة رقم 17: الجمع بين المقامين
إن مَثَل مَن يشتغل بحوائج الخلق و إرشادهم من دون التفات إلى ( العلاقة ) الخاصة بينه وبين ربه ، كمثل من يعمل في حضرة السلطان من دون التفات إليه ، وان اشتغل بقضاء حوائج عبيد ذلك السلطان ..فان مِثْل هذا العبد قد يكون مأجورا عند مولاه ( لاشتغال جوارحه ) ، إلا أنه محروم من العناية الخاصة المبذولة لذاكريه في كل آن ، وذلك ( لانشغال جوانحه ) ..فإن ما يُعطى في الذكر الدائم ، لا يُعطى في خدمة الخلق حال الذهول عن الحق المتعال ..والجمع بين المقامين يتجلى في قوله تعالى: ** ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا **، فهو إطعام للخلق ولكنه لوجه الحق الذي لا يُتوقع معه شكرٌ ولا جزاء.

الومضة رقم 18: شياطين القلوب
إن الاعتقاد بأن الشياطين ( يحومون ) حول قلوب بني آدم ، وأن له سلطاناً على الذين يتولونهم ، يستلزم ( الحذر ) الشديد أثناء التعامل مع أي فرد - ولو كان صالحا - لاحتمال ( تجلّي ) كيد الشيطان من خلال فعله أو قوله ، ما دام الشيطان يوحي زخرف القول وينـزغ بين العباد كما ذكر القرآن الكريم ، وهذا الحذر من المخلوقين من لوازم انتفاء العصمة عنهم ..ومن ذلك يعلم ضرورة عدم الركون والارتياح التام لأي عبدٍ - وإن بلغ من العلم والعمل ما بلغ - كما يقتضيه الحديث القائل: ** إياك أن تنصب رجلا دون الحجة ، فتصدقه في كل ما قال **البحار-ج73ص153.

الومضة رقم 19: مقام الدعوة إلى الله
إن الدعوة إلى الله تعالى منصب مرتبط بشأن من شؤون الحق المتعال ، ولهذا قال عن نبيه (ص): ** وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا **..فمالم يتحقق ( الإذن ) بالدعوة ، لكان الداعي ( متطفلا ) في دعوته ، غير مسدد في عمله ..فالقدرة على التأثير في نفوس الخلق ، هبة من رب العالمين ، ولا يتوقف كثيرا على إتقان القواعد الخطابية ، فضلا عن تكلف بعض المواقف التي يراد منها تحبيب قلوب الخلق ، وقد ورد في الحديث: ** تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو ، خطيبا مصقعاً ، ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم ، وتجد الرجل لا يستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه ، ولقلبه يزهر كما يزهر المصباح **الكافي -ج2ص422..ولهذا عُـبّر عن بعضهم - من ذوي التأثير في القلوب - بأن لكلامه ( قبولاً ) في القلوب.
الومضة رقم 20: المسارعة في السير
إن من الأمور اللازمة للسائر إلى الحق ، ( المسارعة ) في السير بعد مرحلة ( اليقظة ) والعزم على الخروج عن أسر قيود الهوى والشهوات ..فإن بقاءه فترة طويلة في مراحل السير الأولى ، بمثابة حرب استنـزاف تهدر فيها طاقاته من دون أن يتقدم إلى المنازل العليا ، فيكون ذلك مدعاة له لليأس ، ومن ثَّم التراجع إلى الوراء كما يقع للكثيرين ..فالسائرون في بدايات الطريق لا يشاركون أهل ( الدنيا ) في لذائذهم الحسية ، لحرمتها أو لاعتقادهم بتفاهتها بالنسبة إلى اللذات العليا التي يطلبونها ، ولا يشاركون أهل ( العقبى ) في لذائذهم المعنوية ، لعجزهم عن استذواقها في بدايات الطريق ..فهذا التحير والتأرجح بين الفريقين قد يبعث أخيرا على الملل والعود إلى بداية الطريق ، ليكون بذلك في معرض انتقام الشياطين منه ، لأنه حاول الخروج عن سلطانهم من دون جدوى.

الومضة رقم 21: الاصطفاء الإلهي
إن السير إلى الحق المتعال يكون تارة: في ضمن أسلوب ( المجاهدة ) المستلزم للنجاح حينا وللفشل أحيانا أخرى ، ويكون تارة أخرى في ضمن ( الاصطفاء ) الإلهي أو ما يسمى بالجذب الرباني للعبد ..كما قد يشير إلى ذلك قوله تعالى: ** واصطنعتك لنفسي **و{ لتصنع على عيني **و{ كفّلها زكريا **و{ ألقيت عليك محبة مني **و{ إن الله اصطفى آدم ونوحا **و{ الله يجتبي إليه من يشاء **..ومن المعلوم أن وقوع العبد في دائرة الاصطفاء والجذب ، يوفّر عليه كثيرا من المعاناة والتعثر في أثناء سيره إلى الحق المتعال ، ولكن الكلام هنا في ( موجبات ) هذا الاصطفاء الإلهي الذي يعد من أغلى أسرار الوجود ..ولاريب في أن المجاهدة المستمرة لفترة طويلة أو التضحية العظيمة ولو في فترة قصيرة ، وكذلك الالتجاء الدائم إلى الحق ، مما يرشح العبد لمرحلة الاصطفاء ..وقد قيل: ** إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق **.

الومضة رقم 22: العلم صورة ذهنية
ما العلم إلا انعكاس صورة معلومة معينة في الذهن ..وهذا المقدار من التفاعل ( الطبيعي ) الذي يتم في جهاز الإدراك - والذي لا يعتبر في حد نفسه أمرا مقدسا يمدح عليه صاحبه - لا يلازم القيام بالعمل على وفق ما تقتضيه المعلومة ، إلا أن ( تختمر ) المعلومة في نفس صاحبها ، لتتحول إلى إيمان راسخ يقدح الميل الشديد في النفس للجري على وفقها ..ومن هنا علم أن بين المعلومة والعمل مسافة كبيرة ، لا تُطوى إلا بمركب الإيمان ..وإلا فكيف نفسر إقدام المعاندين على خلاف مقتضى العقل والفطرة ، بل على ما يعلم ضرره يقيناً كأغلب المحرمات ؟! ، وقد قال الحق تعالى: ** وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم **..وهنا يأتي دور المولى الحق في تحبيب الإيمان في الصدور وتزيينه فيها ، ليمنح العلم النظري ( القدرة ) على تحريك العبد نحو ما علم نفعه ، ولولا هذه العناية الإلهية لبقي العلم عقيما لا ثمرة له ، بل كان وبالا على صاحبه.

الومضة رقم 23: الاستقامة مع المعاشرة
إن مَثَل من يرى في نفسه الاستقامة الخلقية - وهو في حالة العزلة عن الخلق - كمَثَل المرأة الجميلة المستورة في بيتها ، فلا يُعلم مدى ( استقامتها ) وعفافها ، إلا بعد خروجها إلى مواطن ( الانزلاق ) ..وكذلك النفس فإن قدرتها على الاستقامة في طريق الهدى ، والتفوّق على مقتضى الشهوات ، يُعلم من خلال ( التحديات ) المستمرة بين دواعي الغريزة ، ومقتضى إرادة المولى عز ذكره ..ولا ينبغي للعبد أن يغـترّ بما فيه من حالات السكينة والطمأنينة وهو في حالة العزلة عن الخلق ، إذ أن معاشرة الخلق تكشف دفائن الصفات التي أخفاها صاحبها ، أو خفيت عليه في حال عزلته.

الومضة رقم 24: فتنة الكمال
إن الكمال العلمي والعملي للنفس بمثابة ( الزينة) للمرأة ..والمرأة كلما زادت زينتها كلما أشرق جمالها ، وأصبحت مادة لان تفتتن هي بنفسها ، ويفتتن الآخرون بجمالها ..فصاحبة هذا الجمال تحتاج إلى مراقبة تامة ، لئلا تقع في المفاسد المترتبة على ذلك الجمال الظاهري ..والأمر كذلك في النفس ( العارية ) من مظاهر الجمال الباطني فانه قد يهون خطبها ، وأما ( الواجدة ) للجمال العلمي والعملي - وخاصة مع شهادة الآخرين بذلك - فإن صاحبها في معرض الفتنة المهلكة ، كما اتفق ذلك للكثير من أرباب الكمال.

الومضة رقم 25: الأنس بالحق لا بطاعته
إن الأنس ( بالله ) تعالى أمر يغاير الأنس ( بطاعته )..فقد يأنس الإنسان بلون من ألوان الطاعة قد تنافي رضا الحق في تلك الحالة ، كالاشتغال بالمندوب ، تاركا قضاء حاجة مؤمن مكروب ..فالمتعبد الملتفت لدقائق الأمور ( مراقب ) لمراد المولى في كل حال ، سواء طابق ذلك المراد مراده أو خالفه ..وبذلك يختارمن قائمة الواجبات والمندوبات ، ما يناسب تكليفه الفعلي ، بدلا من الجمود على طقوس عبادية ثابتة.
الومضة رقم 26: الحديث النفسي
يدور في داخل الإنسان حديث نفسيّ يصل إلى حد ( الثرثرة ) ، يختلط فيه الحق والباطل ، والجد والهزل ، بل قد ( يحاكم ) الإنسان شخصا في داخله ، ويصب عليه ( غضبه ) ، بل قد يفحش بالقول في ذلك الحديث النفسي ، بحيث تبدو علامات السخط على وجهه وكأنـّه مشتغل خارجاً بمواجهة الخصم ..وعليه فلا بد من مراقبة هذه المحادثات الباطنية والتنصت عليها - وخاصة وأنها غير تابعة للإرادة الشعورية - لئلا يتحول الحديث في عالم الخيال والتجريد ، إلى عالم الخارج والواقع ، فتترتب عليه حينئذ أحكام الواقع ، وما يستلزمه من سخط المولى الجليل.

الومضة رقم 27: اللسان كاشف لا موجد
إن حركة اللسان بالألفاظ ( كاشفـة ) عن المعاني وليست ( موجدة ) لـها ..وعليه فان الذكر اللساني الخالي من الذكر القلبي ، خال من استحداث المعاني التي تترتب عليها الآثار ، من تنوير الباطن وترتّب الأجر الكامل وغير ذلك ..فكما أنه لا قيمة لحركة اللسان الخالية من قصد المعاني في باب المعاملات ، فكذلك الأمر إلى حد كبير في باب العبادات ، وإن كانت مجزءة ظاهرا ..وإن هذا الإجزاء يكون ( رفقاً ) بحال المكلفين الذين يخلّون بهذا الشرط غالبا ، إما قصورا أو تقصيرا.

الومضة رقم 28: سرقة الجوهرة
إن إيمان العبد بمثابة الجوهرة القيّمة في يده ..وكلما ازدادت ( قيمتها ) كلما ازداد حرص الشياطين في ( سلب ) تلك الجوهرة من يد صاحبها ..ولهذا تزداد وحشة أهل اليقين عند ارتفاعهم في الإيمان درجة ، لوقوعهم في معرض هذا الخطر العظيم ، من جهة من اعتاد سرقة الجواهر من العباد ..ومن المعلوم أن هذا الشعور بالخوف ، لا يترك مجالا لعروض حالات العجب والرياء والتفاخر وغير ذلك ، لوجود الصارف الأقوى عن تلك المشاعر الباطلة.

الومضة رقم 29: الالتفات للمسبِّب لا للسبَّب
إن من الضروري - في السعي وراء الأسباب عند الاسترزاق أو الاستشفاء أو غير ذلك - الالتفات المستمر ( لمسبِّبية ) الحق للأسباب ، إذ أن الساعي في تلك الحالة - وخاصة عند الاضطراب أو الغفلة - قد يكون بعيدا عن مثل هذه الالتفاتة المقدسة ..ومن الواضح أن مثل هذا الالتفات مستلزم ( لعناية ) الحق في تحقيق المسبَّب الذي يريده الساعي جريا وراء الأسباب ..إضافة إلى خروجه من صفة الغفلة التي تكاد تطبق الجميع في مثل هذه الحالات ، وبذلك يجمع بين ( قضاء ) الحاجة و( الارتباط ) بمسبب الأسباب في آن واحد.

الومضة رقم 30: الإحساس بالمعيّـة الإلهية
لو تعمق في نفس الإنسان الإحساس بالمعـيّة الإلهية - المطردة في كل الحالات - لما انتابه شعور بالوحدة والوحشة أبدا ، بل ينعكس الأمر إلى أن يعيش الوحشة مع ما سوى الحق ، خوفا من صدهم إياه عن الأنس بالحق ..وهذا هو الدافع الخفي لاعتزال بعضهم عن الخلق ، وإن كان الأجدر بهم ( تاسيًا ) بمواليهم ، الاستقامة في عدم إلتفات الباطن إلى ما سوى الحق ، مع اشتغال الظاهر بهم ..وبما أن الإنسان يعيش الوحدة في بعض ساعات الدنيا ، وفي كل ساعات ما بعد الدنيا ، فالأجدر به أن يحقق في نفسه هذا الشعور ( بالمعية ) الإلهية ، لئلا يعيش الشعور بالوحدة القاتلة ، وخاصة فيما بعد الحياة الدنيا - الذي تعظم فيه الوحشة - إلى يوم لقاء الله تعالى.

الومضة رقم 31: فائدة العلوم الطبيعية
إن التعمق في العلوم الطبيعية يعين على معرفة عظمة الصانع ، وبالتالي يوجب مزيد الارتباط به ، سواء في ذلك العلم الباحث في المخلوق الصغير وهو ( الطب ) أو الباحث في المخلوق الكبير وهو ( الفلك ) ، وقد قال الحق جل ذكره: ** سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم **..ومن الممكن للمتعمق في هذه العلوم ، أن يجـمع في نفسه بين آثار ( الانبهار ) بعظمة عالم التكوين و بين آثار ( التعـبد ) بعالم التشريع معا ، إذ أن صاحب الشريعة هو بنفسه صاحب الطبيعة ، والذي أمره بالصلاة هو الذي خلق الكون الفسيح بما فيه ..وبذلك ينظر مثل هذا المتعمق إلى الشرائع بتقديس واعتقاد ، وتعبد ممزوج بالتعقل والقبول ..ومما يلفت النظر في هذا المجال ، أن القرآن الكريم أمر بالعبادة بقوله: ** اعبدوا ربكم الذي خلقكم **، عقيب قوله: ** الذي جعل لكم الأرض فراشاً ** ، مما قد يستفاد منه أن الالتفات إلى النعم في عالم التكوين ، مما يهيّـأ نفس الملتفت للخضوع أمام المنعم الخالق.

الومضة رقم 32: مدبريّـة الحق
إذا اعتقد العبد بحقيقة ( مدبرية ) الحق لعالم التكوين ، وأن ( سببيّة ) الأسباب - فسخا وإبراماً - بيده ، وأن انسداد السبل إنما هو بالنظر القاصر للعبد لا بالنسبة إلى القدير المتعال ، كان هذا الاعتقاد موجبا ( لسكون ) العبد - في احلك الظروف - إلى لطفه القديم ، كما هو حال الخليل (ع) في النار ..ناهيك عما يوجبه هذا الاعتقاد من طمأنينة وثبات في نفس العبد ، سواء قبل البلاء أو حينه أو بعده.

الومضة رقم 33: اللقاء في جوف الليل
إن جوف الليل هو موعد اللقاء الخاص بين الأولياء وبين ربهم ..ولهذا ينتظرون تلك الساعة من الليل - وهم في جوف النهار - بتلهّف شديد ..بل إنهم يتحملون بعض أعباء النهار ومكدراتها ، لانتظارهم ساعة ( الصفاء ) التي يخرجون فيها عن كدر الدنيا وزحامها ..وهي الساعة التي تعينهم أيضا على تحمّل أعباء النهار في اليوم القادم ..وبذلك تتحول صلاة الليل ( المندوبة ) عندهم ، إلى موقف ( لا يجوز ) تفويت الفرصة عنده ، إذ كيف يمكن التفريط بمنـزلة المقام المحمود ؟!..ومن الملفت في هذا المجال أن النبيّ (ص) أوصي أمير المؤمنين بصلاة الليل ثلاثاً ، ثم عقّب ذلك بالقول: اللهم أعنه!.

الومضة رقم 34: شرف الانتساب إلى الحق
عندما يتحقق العمل القربى منتسباً إلى الله تعالى ، فإن شرف ( الانتساب ) إلى الحق أشرف وأجلّ من ( العمل ) نفسه ، سواء كان ذلك العمل كثيرا أو قليلا ..فالعبد الملتفت لمرادات المولى ، يجاهد في تحقيق أصل ( العُلقة ) ، ولا يهمه - بعد ذلك - حجم العمل ولا آثاره ..لأن العمل مهما بدا للعبد جليلا ، فهو حقير عند المولى الذي تصاغر عنده الوجود برمّـته ، بخلاف علقة الانتساب إليه ، فانه شريف لكونه من شؤونه تعالى.
الومضة رقم 35: مطابقة المزاج للطاعة
يصل العبد - بعد مرحلة عالية من صفاء الباطن - إلى درجة يتطابق فيها سلوكه مع مضامين بعض الأخبار الواردة عن المعصومين (ع) ، حتى مع عدم التفاته إلى تلك الأخبار تفصيلا ، لأنها حاكية عن الفطرة السليمة ..بل يصل الأمر به إلى أن يكون التقيّد بحدود الشريعة ( موافقاً ) لمزاجه الأوليّ ، وبالتالي لا يجد كثير معاناة في العمل بها ..وحينها يكون السير ( حثيثاً ) لا يقف إلا عند الوصول إلى ( لقائه ) ، و ذلك لازدياد درجة صفاء المزاج ، المستلزم لملائمة الطاعة - حتى الثقيلة - منها لذلك المزاج ..وعندها تتلاشى صعوبة المجاهدة والرياضة ، لما في الرياضة والمجاهدة من منافرة الطبع ، وهي منتفية عند ذلك المزاج.

الومضة رقم 36: بنيان الحق في الأرض
إن المؤمن بنيان الله تعالى في الأرض ، ولهذا صار بمثابة الكعبة بل هو أشرف منها ..إذ أنه وإن تحقق الانتساب إلى المولى تعالى في الحالتين ، إلا إن انتساب ( القلب ) الذي هو عرش الرحمن إلى الحق ، أشرف من انتساب ( الحجارة ) إليه ..فذاك انتساب ذي شعور ناطق ، بخلاف الفاقد للشعور الصامت ..وعليه فإن كل خدمة لهذا البنيان ، فإنما هو خدمة لصاحب ذلك البنيان ، وكل أذى له فهو أذى لصاحبه ..وقد ورد عن الإمام الرضا (ع) أنه قال : ** من أسخط وليا من أوليائي ، دعوت الله ليعذبه في الدنيا أشد العذاب ، وكان في الآخرة من الخاسرين **البحار-ج74ص230.
الومضة رقم 37: العمل للقرب لا للأجر
لا يحسن بمن يروم الدرجات العالية من الكمال ، أن يتوقف أداؤه للعمل على مراجعة ثواب ذلك العمل ..بل إن جلب رضا المولى في التروك والأفعال ، لمن أعظم الدواعي التي تبعث العبد على الإقدام والإحجام ..وهذا الداعي هو الذي يؤثر على كمّ العمل ، وكيفه ، ودرجة إخلاصه ..فحيازة الأجر والثواب أمر يختص بالآخرة ، وتحقيق القرب من المولى له أثره في الدنيا والآخرة ..وشتان بين العبد الحر والعبد الأجير ، وبين من يطلب المولى ( للمولى ) لا ( للأولى ) ولا ( للأخرى ).

الومضة رقم 38: وجه القلب
كما إن في الكيان ( العضوي ) للإنسان وجها يمثل جهة اهتمامه بالأشياء والأشخاص ، إذ الإقبال على الأمور الخارجية والإعراض عنها يكون بالوجه ، فالأمر كذلك في الكيان ( النفسي ) للإنسان ، فإن له وجها بذلك الوجه يتجه حبا أو إعراضا نحو ما يتوجه إليه أو عنه ..فمن الممكن بعد المجاهدات المستمرة والمراقبات المتوالية ، الوصول إلى درجة تكون جهة القلب ( ثابتة ) نحو المبدأ ، وإن ( اشتغل ) البدن في أنشطة متباينة ، وتوزع وجهه الظاهري نحو أمور مختلفة.
الومضة رقم 39: الصلاة قمة اللقاء
إن ( أصل ) وجود علاقة العبودية و ( عمقها ) بين العبد وربه ، يمكن أن يستكشف من خلال الصلوات الواجبة والمستحبة ..فالصلاة هي قمة اللقاء بين العبد والرب ، ومدى ( حرارة ) هذا اللقاء ودوامها ، يعكس أصل العلاقة ودرجتها ..فالمؤمن العاقل لا يغره ثناء الآخرين - بل ولا سلوكه الحسن قبل الصلاة وبعدها - ما دام يرى الفتور والكسل أثناء حديثه مع رب العالمين ، فإنه سمة المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.

الومضة رقم 40: العلم لا يلازم الاطمئنان
إن من الواضح أن عملية ( تخزين ) المعلومات النظرية - حتى النافعة منها فيما يتعلق بعالم الفكر والإدراك - عملية مغايرة لعملية ( تجذير ) موجبات الاطمئنان في القلب ..فقد يوجب العلم حالة الاطمئنان وقد لا يوجبها ، وان كانت المضامين الموجبة لسكون القلب ، لها دورها كإحدى المقدمات الواقعة في سلسلة العلل ..ومما يؤيد ذلك عدم وجود تلازم بين ( القراءات ) المتعلقة بالجانب الروحي - كالكتب الأخلاقية - وبين ( التفاعلات ) الروحية المستلزمة لحالة السكينة والاطمئنان.
الومضة رقم 41: اجتذاب قلوب الخلق
إن السيطرة على قلوب المخلوقين ولو لغرض راجح - كالهداية والإرشاد - تحتاج إلى ( تدخّل ) مقلب القلوب ومن يحول بين المرء وقلبه ..وعليه فلا داعي لاصطناع الحركات الموجبة لجلب القلوب كالتودد المصطنع ، أو حسن الخلق المتكلَّف ..فما ( قيمة ) السيطرة على القلوب أولاً ؟!..وما ( ضمان ) دوام السيطرة الكاذبة ثانياً ؟!..وحالات انتكاس علاقات الخلق مع بعضهم - بدواع واهية - خير دليل على ذلك.

الومضة رقم 42: تلذذ الغني والفقير
طالما اشترك الغني والفقير في الالتذاذ ( الفعلي ) بملذات الحياة الدنيا ..وإنما افترقا في إحساس الأول بامتلاك الوسائل الكافية لتأمين الالتذاذ ( المستقبلي ) دون الآخر ..وليس هذا الفارق مما يستحق معه الوقوع في المهالك ، وخاصة أن ساعة المستقبل تنقلب إلى ساعة الحاضر في كل لحظة ، فيجد فيها الفقير أيضا ما يحقق له أدنى درجات الالتذاذ بحسبه ، من دون الوقوع في ( المعاناة ) والحرص الذي يصاحب جمع المال عـادة.

الومضة رقم 43: التأثر الشخصي بالمصاب
من الضروري أن نجعل تأثرنا بمصائب أهل البيت (ع) بمثابة تأثر على مصاب ( شخصي ) كالمفجوع بعزيز لديه ، كما يشير إليه التعبير في زيارة عاشوراء: ** وعظم مصابي بك **..فمن عظمت مصيبته بمن يحب ، لا يتوقع ( أجراً ) مقابل ذلك التأثر ، ولا يجعل ذلك ( ذريعة ) للحصول على عاجل الحطام ، كما نلاحظ ذلك فيمن يتوسل بهم توصلا إلى الحوائج الفانية ..وليعلم في هذا المجال أن التأثر بمصائبهم التي حلّت بهم صلوات الله عليهم ، كامن في أعماق النفوس المستعدة ، فلا يحتاج إلى كثير إثارة من الغير ، كما روي من{ أن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا **..أضف إلى أن هذا التأثر العميق ، مما يدعو العبد إلى الولاء العملي والمتابعة الصادقة ، وهو المهم في المقام.
الومضة رقم 44: شهر الضيافة
إن شهر رمضان شهر ضيافة - حقيقة لا مجازا - ومن هنا سهل على الضيف أن ( يحوز ) على عطايا من المضيف ، لا يمكن الحصول عليها منه خارج دائرة الضيافة ..وليعلم أن هذه العطايا مبذولة من غير سؤال كما هو مقتضى الضيافة من الكريم ، فكيف بمن ( يسأل ) ذلك ؟!.. وكيف بمن ( يلح ) في السؤال ؟!..ومن هنا صارت ليلة العيد ليلة الجوائز العظمى ، ولطالما غفل عنها الغافلون.

الومضة رقم 45: الجمع بين الوحشة والمودة
إن من خصائص العامل في المجتمع ، هو الجمع بين حالة ( الوحشة) من الخلق ، لعدم تحقق الملكات الصالحة فيهم والتي هي الملاك للارتياح والأنس ، وبين حالة ( المودة ) والألفة والمداراة التي أمر بها الشارع جل شأنه ..فالمستفاد من مجموع الأخبار ضرورة الرفق بالناس على أنهم أيتام آل محمد (ع) ، وإن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ..فالجامع في نفسه بين هاتين الخصلتين ، أقرب ( للنجاح ) في إرشاد الخلق ، ( وللاحتراز ) عن مقتضى طباعهم الفاسدة المتمثلة في الانشغال بالباطل ، والغفلة عن الحق في الغالب.
الومضة رقم 46: سياسة النفس
إن مجاهدة النفس وسياستها يحتاج إلى خبرة وإطلاع بمداخلها ومخارجها ، وسبل الالتفاف حولها ..فلا ينبغي تحميلها فوق طاقتها ، وإلا حرنت وتمردت حتى فيما لامشقة فيه ..بل لابد من إقناعها بالحقائق المحركة لها ، والموجبة لاستسهال بعض الصعاب ، ومنها : ( العلم ) بضرورة سلوك هذا السبيل الذي ينتهي إلى الحق الذي إليه مرجع العباد ، وأن ( مراد ) المولى لا يتحصل - غالباً - إلا بهذه المخالفة المستمرة ، بالإضافة إلى ( التذكير ) باللذات المعنوية البديلة ، مع الاحتفاظ بما يحلّ ويجمل من اللذائذ الحسية.
الومضة رقم 47: تسويل النفس
كثيرا ما ننبعث في حياتنا من ( محركية ) الذات ومحوريتها ، حتى في الأمور التي يفترض فيها محو الذات ، واستذكار القربة الخالصة لله رب العالمين ، كدعوة العباد إلى الله تعالى ..ولطالما ( تسوّل ) النفس لصاحبها ( فيبطّن ) محورية ذاته بأمور أخرى عارضة ، كالثأر للكرامة أو إثبات العزة الإيمانية ، أو الدفاع عن العنوان ، أو دعوى العناوين الثانوية ، مما لا تخفى على العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ..وليعلم في مثل هذه الحالات ، أن الإحجام عن العمل خير من القيام به من تلك المنطلقات المبطّنة.

الومضة رقم 48: حذر المصلحين
[*]إن المصلح الذي يروم إخراج العباد من الظلمات إلى النور في معرض ( عداء ) الشياطين له ، بل إثارة أحقادهم المستلزم ( للانتقام ) منه ، لأنه يروم تحرير الآخرين من سيطرة الطاغوت ، وهذا بدوره يعتبر تحديا له ولجنوده ..ومن هنا كان الأولياء يعيشون حالة الإشفاق والخوف من وقوعهم في إحدى شراك الشيطان المنصوبة لهم في جميع مراحل حياتهم ..فلم يأمنوا سوء العاقبة إلا بفضله تعالى ، وخاصة في مواطن ( الامتحان ) العسير في المال أو الجاه أو الدين ، فيما لو تزامن أيضا مع الضعف ، والغفلة ، وتكالب الشرور.

الومضة رقم 49: الاستعاذة بالحق
لو اعتقد الإنسان بحقيقة أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق ، وأنه أقسم صادقا على إغواء الجميع ، وخاصة مع التجربة العريقة في هذا المجال من لدن آدم إلى يومنا هذا ، ( لأعاد ) النظر في كثير من أموره ..فما من حركة ولا سكنة إلا وهو في معرض هذا التأثير الشيطاني ..فالمعايِش لهذه الحقيقة يتّهم نفسه في كل حركة - ما دام في معرض هذا الاحتمال - فإن هذا الاحتمال وإن كان ضعيفا إلا أن المحتمل قوي ، يستحق معه مثل هذا القلق ..و( ثـمرة ) هذا الخوف الصادق هو ( الالتجاء ) الدائم إلى المولى المتعال ، كما تقتضيه الاستعاذة التي أمرنا بها حتى عند الطاعة ، كتلاوة القرآن الكريم.

الومضة رقم 50: العبودية ضمن المجاهدة
ليس من المهم تحقيق العبودية الكاملة من دون ( منافرة ) للشهوات والأهواء ..فمن يمكنه سفك الدماء والإفساد في الأرض - بما أوتي من شهوة وغضب - ثم ( يتعالى ) عن تلك المقتضيات ، ويلتزم جادة الحق والصواب ، هو الجدير بخلافة الله تعالى في الأرض ..وكلما ( اشتد ) الصراع والنجاح ، كلما عظمت درجة العبودية ..وقد كان الأمر كذلك بالنسبة إلى إبراهيم (ع) في تعامله مع نفسه وأهله وقومه ، إذ لم يصل إلى درجة الإمامة ، إلا بعد اجتيازه مراحل الابتلاء كما ذكره القرآن الكريم.



,lqhj - gtqdgm hgado pfdf hg;h/ld>





قديم 02-16-2013, 04:54 AM   #2
أسطورة العشق الإلهي..


الصورة الرمزية رقية حسين
رقية حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 العمر : 24
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم :  346
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
لوني المفضل : Indigo

اوسمتي

افتراضي



الومضة رقم 51: أمارة التسديد
من أمارات الصلاح في الطريق الذين يسلكه العبد ، هو إحساسه ( بالارتياح ) وانشراح الصدر ، مع استشعاره للرعاية الإلهية المواكبة لسيره في ذلك الطريق ، وقلب المؤمن خير دليل له في ذلك ..وحالات ( الانتكاس ) والتعثر والفشل ، والإحساس ( بالمـلل ) والثقل الروحي مع الفرد الذي يتعامل معه أو النشاط الذي يزاوله ، قد يكون إشارة على مرجوحية الأمر ..ولكنه مع ذلك كله ، فإن على العبد أن يتعامل مع هذه العلامة بحذر ، لئلا يقع في تلبيس الشيطان .
الومضة رقم 52: اختيار الأقرب للرضا
لا ينبغي للمؤمن أن يختار لنفسه المسلك المحببّ إلى نفسه حتى في مجال الطاعة والعبادة ، فمن يرتاح ( للخلوة ) يميل عادة للطاعات الفردية المنسجمة ( مع الاعتزال ) ، ومن يرتاح ( للخلق ) يميل للطاعات الاجتماعية الموجبة للأنس ( بالمخلوقين ) ..بل المتعين على المستأنس برضا الرب ، أن ينظر في كل مرحلة من حياته ، إلى ( طبيعة ) العبادة التي يريدها المولى تعالى منه ، فترى النبي (ص) عاكفا على العبادة والخلوة في غار حراء ، وعلى دعوة الناس إلى الحق في مكة ، وعلى خوض غمار الحروب في المدينة تارة أخرى ، وهكذا الأمر في الأوصياء من بعده .

الومضة رقم 53: كالخرقة البالية
تنتاب الإنسان حالة من إدبار القلب ، بحيث لا يجد في قلبه خيرا ولا شرا ، فيكون قلبه ( كالخرقة ) البالية كما ورد في بعض الروايات ..ففي مثل هذه الحالة يبحث المهتم بأمر نفسه عن سببٍ لذلك الإدبار ، فان اكتشف سببا ( ظاهرا ) ، من فعل معصية أو ترك راجح أو ارتكاب مرجوح ، حاول الخروج عن تلك الحالة بترك موجب الادبار ..وإن لم يعلم ( سبباً ) ظاهرا ترك الأمر بحاله ، فلعل ضيقه بما هو فيه ، تكفير عن سيئة سابقة أو رفع لدرجة حاضرة أو دفع للعجب عنه.
الومضة رقم 54: لحظات الشروق والغروب
إن لحظات الغروب والشروق مما اهتم بها الشارع من خلال نصوص كثيرة ..إذ أنها بدء مرحلة وختم مرحلة ، وصعود للملائكة بكسب العبد خيرا كان أو شرا ، وهو الذي يتحول إلى طائر يلزم عنق الإنسان كما يعبر عنه القرآن الكريم ..فهي فرصة جيدة لتصحيح قائمة الأعمال قبل تثبيتها ( استغفارا ) منها أو تكفيراً عنها ..وللعبد في هذه اللحظة وظيفتان ، الأولى: ( استذكار ) نشاطه في اليوم الذي مضى ، ومدى مطابقته لمرضاة الرب ..والثانية : ( التفكير ) فيما سيعمله في اليوم الذي سيستقبله ..ولو استمر العبد على هذه الشاكلة - مستعينا بأدعية وآداب الوقتين - لأحدث تغييرا في مسيرة حياته ، تحقيقا لخير أو تجنيبا من شر .

الومضة رقم 55: الصفات الكامنة
إن من شؤون المراقبة اللازمة لصلاح القلب ، ملاحظة الصفات ( القلبية ) المهلكة كالحسد والحقد والحرص وغير ذلك ..فان أثر هذه الصفات الكامنة في النفس - وان لم ينعكس خارجا - إلا أنه قد لا يقل أثرا من بعض الذنوب الخارجية في ( ظلمة ) القلب ..وليعلم أنه مع عدم استئصال أصل هذه الصفة في النفس ، فان صاحب هذه الصفة قد ( يتورّط ) في المعصية المناسبة لها في ساعة الغفلة ، أو عند هيجان تلك الحالة الباطنية ، كالماء الذي أثير عكره المترسب .
الومضة رقم 56: برمجة اليوم
إن على العبد أن ( يبرمج ) ساعات اليوم من أول اليوم إلى آخره فيما يرضي المولى جل ذكره ، مَثَله في ذلك كمَثَل ( الأجير ) الذي لا بد وأن يُرضي صاحبه من أول الوقت إلى آخره فيما أراده منه ..فإذا أحس العبد بعمق هذه ( المملوكية ) ، لاعتبر تفويت أية فرصة من عمره ، بمثابة إخلال الأجير بشروط هذه الأجرة المستلزم للعقاب أو العتاب ..وبمراجعة ما كتب في أعمال اليوم والليلة - كمفتاح الفلاح وغيره - تتبين لنا رغبة المولى في ذكر عبده له في جميع تقلباته ، حتى وكأن الأصل في الحياة هو ذكر الحق ، إلا ما خرج لضرورة قاهرة أو لسهو غالب .

الومضة رقم 57: خلود المنتسب إلى الحق
إن مما يوجب الخلود والأبديّة للأعمال الفانية ، هو ( انتسابها ) للحق المتصف بالخلود والبقاء ..فمن يريد تخليد عمله وسعيه ، فلا بد له من تحقيق مثل هذا الانتماء الموجب للخلود ..فلم تكتسب الكعبة - وهي الحجارة السوداء - صفة الخلود كبيت لله تعالى في الأرض إلا بعد أن انتسب للحق ..ولم يكتب الخلود لأعمال إيراهيم وإسماعيل في بناء بيته الحرام ، إلا بعد أن قبل الحق منهما ذلك ، وهكذا الأمر في باقي معالم الحج التي يتجلى فيها تخليد ذكرى إبراهيم الخليل (ع) ..والأعمال ( العظيمة ) بظاهرها والخالية من هذا الانتساب حقيرة فانية ،كالصادرة من الظلمة وأعوانهم ، سواء في مجال عمارة المدن ، أو فتح البلاد ، أو بث العلم ، أو بناء المساجد أو غير ذلك .

الومضة رقم 58: قوارع القرآن
كثيرا ما يخشى الإنسان على نفسه الحوادث غير ( المترقبة ) في نفسه وأهله وماله ..فيحتاج دائما إلى ترس يحميه من الحوادث قبل وقوعها ، ومن هنا تتأكد الحاجة لالتزام المؤمن بأدعية الأحراز الواقية من المهالك ، وهي قوارع القرآن التي من قرأها ( أمِـنَ ) من شياطين الجن والإنس : كآية الكرسي والمعوذات وآية الشهادة والسخرة والملك ..فإن دفع البلاء قبل إبرامه وتحقـقه ، أيسر من رفعه بعد ذلك ..وقد ورد: ** أنه ليس من عبد إلا وله من الله حافظ وواقية ، يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر ، فإذا نزل القضاء خلـيّا بينه وبين كل شيئ **البحار-ج5ص105 .

الومضة رقم 59: الهيئة الجماعية للطاعة
نقرأ في دعاء شهر رمضان المبارك في الليلة الأولى منه : ** أنا ومن لم يعصك سكان أرضك ، فكن علينا بالفضل جوادا **..فالعبد في هذا الدعاء يخلط نفسه بالطائعين ، بدعوى أنه ( يجمعه ) وإياهم سكنى الأرض الواحدة ، ليستنـزل الرحمة الإلهية العائدة للجميع ..وبذلك يتحايل العبد ليجد وصفا يجمعه مع المطيعين ، ولو كان السكنى في مكان واحد ..وكذلك الأمر عند الاجتماع في مكان واحد ، وزمان واحد في أداء الطاعة ، كالحج وصلاة الجماعة والجهاد ومجالس إحياء ذكر أهل البيت (ع) ، فان الهيئة ( الجماعية ) للطاعة من موجبات ( تعميم ) الرحمة ..وقد ورد في الحديث: ** إن الملائكة يمرون على حلق الذكر ، فيقومون على رؤسهم ويبكون لبكائهم ، ويؤمّنون على دعائهم…فيقول الله سبحانه :إني قد غفرت لهم وآمنتهم مما يخافون ، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك ، فيقول الله تعالى: قد غفرت له بمجالسته لهم ، فإن الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم **البحار-ج75ص468 .

الومضة رقم 60: الأدب الباطني للأكل
إن للأكل آدابا كثيرة مذكورة في محلها ، إلا أن من أهم آدابه شعور الإنسان العميق ( برازقية ) المنعم الذي أخرج صنوفا شتى من أرض تسقى بماء واحد ..فمن اللازم أن ينتابه شعور بالخجل والاستحياء من تواتر هذا الإفضال ، رغم عدم القيام بما يكون شكرا لهذه النعم المتواترة ..ومن الغريب أن الإنسان يحس عادة بلزوم الشكر والثناء تجاه المنعم الظاهري - وهو صاحب الطعام - رغم علمه بأنه واسطة في جلب ذلك الطعام ليس إلاّ..أولا يجب انقداح مثل هذا الشعور - بل أضعافه بما لا يقاس - بالنسبة إلى من أبدع خلق ( الطعام ) ، بل خلق من أعده من ( المخلوقين ) ؟!.

الومضة رقم 61: الرغبة الجامحة
إن الميل والرغبة الجامحة في الشيء من دواعي النجاح في أي مجال: دنيويا كان أو أخرويا ..وهذا الميل قد يكون ( طبعيا ) ، كما في موارد الهوى والشهوة ، ولهذا يسترسل أصحابها وراء مقتضياتها من دون معاناة ..وقد يكون ( اكتسابيا ) كما لو حاول العبد مطابقة هواه مع هوى مولاه فيما يحب ويبغض ..وليُعلم أنه مع عدم انقداح مثل هذا الحب والميل في نفس العبد ، فإن سعيه في مجال الطاعة لا يخلو من تكلف و معاناة ..فالأساس الأول للتحليق في عالم العبودية ، هو ( استشعار ) مثل هذا الحب تجاه المولى وما يريد ، إذ أن{ الذين آمنوا أشد حبا لله **.

الومضة رقم 62: سوء الظن
كثيرا ما يحس الإنسان بإحساس غير حسن تجاه أخيه المؤمن ، وليس لذلك - في كثير من الأحيان - منشأ عقلائي إلا ( وسوسة ) الشيطان ، و ( استيلاء ) الوهم علي القلب القابل لتلقّي الأوهام ..وللشيطان رغبة جامحة في إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، معتمدا على ذلك ( الوهم ) الذي لا أساس له ..ومن هنا جاءت النصوص الشريفة التي تحث على وضع فعل المؤمن على أحسنه ، وألا نقول إلا التي هي احسن ، وان ندفع السيئة بالحسنة ، وأن نعطي من حرمنا ونصل من قطعنا ، ونعفو عمن ظلمنا ، وغير ذلك من النصوص الكثيرة في هذا المجال .
الومضة رقم 63: وظيفة الداعي
ليس المهم في دعوة العباد إلى الله تعالى ، كسب العدد والتفاف الأفراد حول الداعي ..وإنما المهم أن يرى المولى عبده ساعياً مجاهداً في هذا المجال ..وكلما اشتدت ( المقارعة ) مع العباد ، كلما اشتد ( قرب ) العبد من الحق ، وإن لم يثمر عمله شيئا في تحقيق الهدى في القلوب ..فهذا نوح (ع) من الرسل أولي العزم ، لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فما آمن معه إلا قليل ، بل من الممكن القول بأن دعوة الأنبياء والأوصياء لم تؤت ثمارها الكاملة كما ارادها الله تعالى لهم ، وهو ما نلاحظه جلياً في دعوة النبي وآله (ع) للأمة ، إذ كان الثابتون على حقهم هم أقل القليل ..فالمهم في الداعي إلى سبيل الحق ( عرض ) بضاعة رابحة ولا يهمه من المشتري ؟!..وما قيمة البضاعة الفاسدة وإن كثر مشتروها ؟!..أضف إلى كل ذلك أن أجر الدعوة ودرجات القرب من الحق المتعال ، لا يتوقف على التأثير الفعلي في العباد .

الومضة رقم 64: هدر العمر بالنوم
إن النوم من الروافد الأصلية التي ( تستنـزف ) نبع الحياة ..ومن هنا ينبغي السيطرة على هذا الرافد ، لئلا يهدر رأسمال العبد فيما لا ضرورة له ..ولذا ينبغي التحكم في أول النوم وآخره ، ووقته المناسب ، وتحاشي ما يوجب ثقله ..والملفت في هذا المجال أن الإنسان كثيرا ما يسترسل في نومه الكاذب ، إذ حاجة بدنه الحقيقية للنوم اقل من نومه الفعلي ..فلو ( غالب ) نفسه وطرد عن نفسه الكسل ، وهجر الفراش كما يعبر القران الكريم: ** تتجافى جنوبهم عن المضاجع **، فانه سيوفّر على نفسه - ساعات كثيرة - فيما هو خير له و أبقى ..وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : ** من كثر في ليله نومه ، فاته من العمل ما لا يستدركه في يومه**و{ بئس الغريم النوم ، يفني قصير العمر ، ويفوّت كثير الأجر **.
الومضة رقم 65: الفراق والوصل
إن في الفراق رجاء ( الوصل ) ، وخاصة إذا اشتد ألم الفراق وطال زمان الهجران ، وفي الوصل خوف ( الفراق ) ، وخاصة مع عدم مراعاة آداب الوصل بكاملها ، ومن هنا كانت حالة الفراق لديهم - في بعض الحالات - أرجى من حالة الوصل ..إذ عند الوصل تعطى الجائزة ( المقدرة ) ، بينما عند الفراق يعظم السؤال فيرتفع قدر الجائزة فوق المقدر ..وعند الوصل حيث الإحساس بالوصول إلى شاطئ الأمان ( يسكن ) القلب ويقل الطلب ، وعند الاضطراب في بحر الفراق يشتد التضرع والأنين ..وعليه فليسلم العبد فصله ووصله للحكيم ، الذي يحكم بعدله في قلوب العباد ما يشاء و كيف يشاء .

الومضة رقم 66: العداء المتأصل
إن القرآن الكريم يدعونا لاتخاذ موقع العداء من الشياطين ..وليس المطلوب هو العداء ( التعبدي ) فحسب ، بل العداء ( الواعي ) الذي منشأه الشعور بكيد العدو وتربّصه الفرص للقضاء على العبد ، خصوصا مع الحقد الذي يكنّه تجاه آدم وذريته ، إذ كان خلقه بما صاحبه من تكليف بالسجود مبدأ لشقائه الأبدي ، وكأنه بكيده لبنيه يريد أن ( يشفي ) الغليل مما وقع فيه ..وشأن العبد الذي يعيش هذا العداء المتأصل ، شأن من يعيش في بلد هدر فيها دمـه ..فكم يبلغ مدي خوفه وحذره ممن يطلب دمه بعد هدره له ؟!.
الومضة رقم 67: مؤشر درجة العبد
لو اعتبرنا أن هناك ثمة مؤشر يشير إلى حالات تذبذب الروح تعاليا وتسافلاً ، فإن المؤشر الذي يشير إلى درجة الهبوط الأدنى للروح ، هو الذي يحدد المستوى الطبيعي للعبد في درجاته الروحية ..فدرجة العبد هي الحد ( الأدنى ) للهبوط لا الحد ( الأعلى ) في الصعود ، إذ أن الدرجة الطبيعية للعبد تابعة لأخس المقدمات لا لأعلاها ..فإن التعالي استثناء لا يقاس عليه ، بينما الهبوط موافق لطبيعة النفس الميالة للّعب واللهو ..فهذه هي القاعدة التي يستكشف بها العبد درجته ومقدار قربه من الحق تعالى ..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : ** من أحب أن يعلم ما له عند الله ، فليعلم ما لله عنده **البحارج73ص40..وبذلك يدرك مدى الضعف الذي يعيشه ، وهذا الإحساس بالضعف بدوره مانع من حصول العجب والتفاخر ، بل مدعاة له للخروج منه ، إلى حيث القدرة الثابتة المطردة .

الومضة رقم 68: مجالس اللهو والحرام
إن بعض المجالس التي يرتادها العبد ، يكون في مظان اللهو أو الوقوع في الحرام ، كالأعراس والأسواق والجلوس مع أهل المعاصي ..ومن هنا لزم على المؤمن أن ( يهيئ ) نفسه لتحاشي المزالق قبل ( التورط ) فيما لو اضطر إلى الدخول فيها ..وليُعلم أن الجالس مع قوم إنما يبذل لهم ما هو أهم من المال - وهي اللحظات التي لا تثمن من حياته - فكما يبخل الإنسان بماله ، فالأجدر به أن يبخل ببذل ساعات من عمره للآخرين من دون عوض ..وتعظم ( المصيبة ) عندما يكون ذلك العوض هو ( تعريض ) نفسه لسخط المولى جل ذكره ، فكان كمن بذل ماله في شراء ما فيه هلاكه ..وأشد الناس حسرة يوم القيامة من باع دينه بدنيا غيره .

الومضة رقم 69: التفكير في الشهوات
إن التفكير في الشهوات - بإحضار صورها الذهنية - قد تظهر آثاره على البدن ، فيكون كمن مارس الشهوة فعلا يصل إلى حد الجنابة أحيانا ..فإذا كان الأمر كذلك في الأمور ( السافلة ) ، فكيف بالتفكير المعمق فيما يختص بالأمور ( العالية ) من المبدأ والمعاد ؟..أولا يُرجى بسببه عروج صاحبه - في عالم الواقع لا الخيال - ليظهر آثار هذا التفكير حتى على البدن ..وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض هذه الآثار بقوله: ** تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثمَّ تلين **و{تولَّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ** ، أضف إلى وجل القلوب وخشوعها ..بل يصل الأمر إلى حالة الصعق الذي انتاب موسى (ع) عند التجلّي ، وكان لإبراهيم أزيز كأزيز المرجل ، ناهيك عن حالات الرسول (ص) عند نزول الوحي ، وحالات وصيه (ع) أثناء القيام بين يدي المولى جل ذكره .

الومضة رقم 70: منبّهية الآلام الروحية
كما أن الآلام ( العضوية ) منبهة على وجود العارض في البدن ، فكذلك الآلام ( الروحية ) الموجبة لضيق الصدر ، منبّهة على وجود عارض البعد عن الحق ..إذ كما انه بذكر الله تعالى ( تطمئن ) القلوب ، فكذلك بالإعراض عنه ( تضيق ) القلوب بما يوجب الضنك في العيش ، فيكون صاحبه كأنما يصّـعد في السماء ، والمتحسس لهذا الألم أقرب إلى العلاج قبل الاستفحال ..والذي لا يكتوي بنار البعد عن الحق - كما هو شان الكثيرين - يكاد يستحيل في حقه الشفاء ، إلا في مرحلة: ** فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد** ، وعندئذ لا تنفعه هذه البصيرة المتأخرة عن وقت الحاجة .

الومضة رقم 71: آيات لأولي الألباب
إن التأثر ( بآيـتيّة ) الآيات متوقفة على وجود ( اللّب ) المدرك لها ..فالآية علامة لذي العلامة ، والذي لا يعرف لغة العلامة كيف يتعرّف على ذي العلامة ؟!..فمَثَل الباحثين في الطبيعة والغافلين عن الحق ، كمَثَل من يحلل اللوحة الجميلة إلى أخشاب وألوان ..فتراهم يرهقون أنفسهم في البحث عن مادة اللوحة وألوانها ، ولا يدركون شيئا من جمال نفس اللوحة ولا جمال مصورها ، وليس ذلك إلا لانتفاء اللبّ فيهم إذ{ ان في ذلك لآيات لأولي الألباب **..فعيونهم المبصرة والآلة الصماء التي يتم بها الكشف والاختراع على حد سواء ، في انهما لا يبصران من جمال المبدع شيئا .

الومضة رقم 72: التسمية نوع استئذان
إن التسمية قبل الفعل - من الأكل وغيره - نوع ( استئذان ) من العبد في التصرف فيما يملكه الحق ، وإن كان الأمر حقيرا عند العبد ، فالأمر في جوهره وعند أهله المستشعرين للطائف العبودية ، يتجاوز مرحلة الاستحباب ..وهكذا الأمر في جميع الحركات المستلزمة للتصرف في ملك من أمـلاك المولى جل ذكره ..ولهذا فإن كل عمل غير مبدوء بـ ( بسم الله) فهو أبتر ، إذ كيف يبارك المولى في عبد لا ينسب عمله إليه ، ولا يصدر منطلقا من رضاه ، بل يتصرف في ملكه من دون ( إحراز ) رضاه ؟!.

الومضة رقم 73: الإعراض بعد الإدبار
لابد من المراقبة الشديدة للنفس بعد حالات الإقبال - وخاصة - الشديدة منها ..وذلك لأن ( الإعراض ) المفاجئ باختيار العبد - بعد ذلك الإقبال - يُـعد نوع ( سوء ) أدب مع المولى الذي منّ على عبده بالإقبال وهو الغني عن العالمين ..ولطالما يتفق مثل هذا الإقبال - في ملأ من الناس - بعد ذكر لله تعالى ، أو التجاء إلى أوليائه (ع) ، وعند الفراغ من ذلك يسترسل العبد في الإقبال على الخلق ، فيما لا يرضي الحق: من لغو في قول ، أو ممقوت من مزاح ، أو وقوع في عرض مؤمن أو غير ذلك ..ومثل هذا الإدبار الاختياري قد ( يحرم ) العبد نعمة إقبال الحق عليه مرة أخرى ، وهي عقوبة قاسية لو تعقّلها العبد ..نعم قد يتفق الإدبار المفاجئ - مع عدم اختيار العبد - دفعا للعجب عنه ، وتذكيرا له بتصريف المولى جل ذكره لقلب عبده المؤمن كيفما شاء .
الومضة رقم 74: مؤلفات المنحرفين
إن مما ينبغي الحذر منه ، هو ما وصل إلينا من مؤلفات المنحرفين عن خط أهل البيت (ع) - قصورا كان الانحراف أو تقصيرا - وخاصة فيما كان في مجال الأخلاق والاعتقاد ..فمن الدواعـي الخفـية التي جعلت البعض منهم يتخذ لنفسه اتجاهاً أخلاقيا متميزا ليجـذب به قلوب المريدين ، هو ( منافسة ) خط أئمة أهل البيت (ع) في ذلك ، و ( استلاب ) القلوب المتعطشة للمعارف الإلهية ..وخاصة أن الأئمة (ع) لهم منهجهم المستقل في مجال تهذيب السلوك الإنساني المتمثل في: ( الاستقامة ) على طريق الشرع أولا ، و( الاعتدال ) في السير ثانيا ، و( الجامعية ) لكل جهات التكليف ثالثا ..وقد درّبوا خواصهم على هذا المنهج الذي افرز الكثير ممن يتأسى بهم في هذا المجال ..وينبغي الالتفات إلى أن حث عامة الناس على الرجوع إليهم قد يؤدي - من دون قصد - إلى صرف الناس عن خط أئمتهم (ع) ، أو على الأقل عدم استنكار البنية العقائدية لمخالفيهم .

الومضة رقم 75: القلب حرم الله تعالى
إن اشتغال القلب بغير الله تعالى مذموم حتى عند الاشتغال ( بالصالحات ) من الأعمال كقضاء حوائج الخلق وأشباهه ..فقد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : ** القلب حرم الله تعالى ، فلا تُدخل حرم الله غير الله**البحار-ج70ص25..فالمطلوب من العبد أن لا يذهل عن ذكر مولاه ، وإن اشتغلت الجوارح بعمل قربي لله فيه رضاً ..فإن ( حسن ) اشتغال الجارحة بالعبادة لا ( يجبر ) قبح خلو الجانحة من ذكر الحق ، فلكل من الجوانح والجوارح وظائفهما اللائقة بهما ..وحساب كل منهما بحسبه ، فقد يثاب احداهما ويعاقب الأخرى كما يشير إليه الحديث: ** إن الله يحب عبدا ويبغض عمله ، و يبغض العبد ويحب عمله**البحار-ج46ص233..والخلط بينهـما مزلق للأولياء عظيم ..وهذا الأمر وإن بدا الجمع بينهما صعبا ، إلا إنه مع المزاولة والمصابرة يتم الجمع بين المقامين ،كما كان الأمر كذلك عندهم صلوات الله عليهم أجمعين .
الومضة رقم 76: استغلال أية فرصة
إن من الأمور المهمة التي قد يغفل عنها العبد هو استغلال ساعة ( الإقبال ) على المولى في أي ظرف كان صاحبه ..فقد تأتي هذه المنحة الإلهية على حين ( غفلة ) من صاحبها ، وفي حالة ( يجلّ ) الإنسان ربه في أن يذكره في تلك الحالة كالأماكن المستقذرة ، كما يشير إليه ما روي عن موسى (ع) إذ سأل ربه فقال : إني أكون في حال أجلك أن أذكرك فيها ، فجاءه الجواب: ** يا موسى اذكرني على كل حال **البحار-ج3ص329 ..فليس للعبد أن يُعرض - حتى في تلك الساعة - عن ربه مع إقبال الحق عليه ، فان ذلك مدعاة لتعريض هذه النعمة الكبرى للزوال ..وقد يتفق الإقبال في المواطن المناسبة لذلك ، فيرق القلب من دون مجاهدة تذكر كمجالس رثاء أهل البيت (ع) ، فما أحرى بأصحابها أن يستغلّوا حالة الرقة التي تنتاب حتى غير الصالحين منهم في تلك المجالس ، وذلك بالتوجه إلى الله تعالى وخاصة بعد الفراغ من المجلس ، فإنها من المظان الكبرى لاستجابة الدعاء .

الومضة رقم 77: تصريف الحق للأمور
كما يتولى الحق تعالى تصريف ( جزئيات ) عالم الخلق ، إذ ما تسقط من ورقة إلا بعلمه ، ولولا الإذن لما تحقق السقوط الذي تعلق به العلم ، فكذلك الأمر فيمن ( شملته ) يد العناية الإلهية ، فيتولى الحق تعالى تصريف شؤونه في كل صغيرة وكبيرة ..ومن هنا أُمر موسى(ع) بالرجوع إلى الحق ، حتى في ملح عجينه وعلف دابته ..ومن المعلوم أن هذا الإحساس ( يعمّق ) الود بين العبد وربه ، ناهيك عما يضفيه هذا الشعور من سكينة واطمئنان على مجمل حركته في الحياة ..ومن هنا ينسب الحق أمور النبي (ص) من الطلاق والزواج إلى نفسه فيقول: ** عسى ربه إن طلقكن ** و{ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها **.

الومضة رقم 78: الأجر الجزيل على القليل
قد يستغرب البعض من ترتب بعض ما روي من ( عظيم ) الثواب على اليسير من العبادة ..ولو كان هذا الاستغراب بمثابة عارض أوّلى لا قرار له في النفس لهان الأمر ، ولكن الجاد في استغرابه ، فإنما هو قاصر: إمّا في إدراك ( قدرة ) المولى على استحداث ما لم يخطر على قلب بشر بمقتضى إرادته التكوينية المنبعثة من الكاف والنون ، أو في إدراك مدى ( كرمه ) وسعة تفضله الذي استقامت به السموات والأرض ..فمن يجمع بين القدرة القاهرة و العطاء بلا حساب ، فإنه لا يعجزه الأجر الذي لا يقاس إلى العمل ..إذ الثواب المبذول إنما هو اقرب للعطايا منه إلى الأجور ..وليعلم أخيرا أن نسبة قدرة الحق المتعال إلى الأمر - الحقير والجليل - على حد سواء ..فلماذا العجب بعد ذلك ؟!.
الومضة رقم 79: ملكوت الصلاة
إن الصلاة مركب اعتباري ركب أجزاءه العالم بمواقع النجوم ..فالحكيم الذي وضع الأفلاك في مسارها هو الذي وضع أجزاء هذا المركّب في مواقعها ، ولهذا كان ( الإخلال ) العمدي بظاهرها مما يوجب عدم سقوط التكليف ، لعدم تحقق المركب بانتفاء بعض أجزائه ..وليعلم أن بموازاة هذا لمركب الاعتباري ( الظاهري ) ، هنالك مركب اعتباري ( معنوي ) يجمعه ملكوت كل جزء من أجزاء الصلاة ..فالذي يأتي بالظاهر خاليا من الباطن ، فقد أخل بالمركب الاعتباري الآخر بكله أو ببعضه ..ومن هنا صرحت الروايات بحقيقة: ** أنه ما لك من صلاتك إلا ما أقبلت فيها بقلبك **البحار- ج81 ص260 .
الومضة رقم 80: الطهارة الظاهرية والباطنية
أكد المشرع الحكيم على طهارة البدن والساتر والأرض في حال الصلاة ، التي هي أرقى صور العبودية للحق المتعال ،كما يفهم من خلال جعلها عمودا للدين ومعراجا للمؤمن ..ولعل الأقرب إلى تحقيق روح الصلاة ، هو الاهتمام بتحقيق الطهارة ( الداخلية ) في جميع أبعاد الوجود ، بل هجران الرجز لا تركه فحسب لقوله تعالى: ** والرجز فاهجر **..فالهجران نوع قطيعة مترتبة على بغض المهجور المنافر لطبع المقاطع له ..فالمتدنس ( بباطنه ) لا يستحق مواجهة الحق وان تطهّر بظاهره ، حيث أن المتدنس - جهلا وقصورا - لا يؤذن له باللقاء وان اُعذر في فعله ..كما أن المتدنس ( بظاهره ) لا يؤذن له بمواجهة السلطان ، وإن كان جاهلا بقذارته .

الومضة رقم 81: الصورة الذهنية الكاذبة
إن ما يدفع الإنسان نحو الملذات واقتناء أنواع المتاع ، هو الصورة ( الذهنية ) المضخمة - التي لا تطابق الواقع غالبا - لتلك اللـذة ..والسر في ذلك كما يذكر القرآن الكريم ، هو تزيين الشيطان ما في الأرض للإنسان بحيث لايرى الأشياء كما هي ، ومن هنا أمرنا بالدعاء قائلين: ** اللهم أرنا الأشياء كما هي **..ولطالما يصاب صاحبها بخيبة أمل شديدة عندما يصل إلى لذته ، فلا يجد فيها تلك الحلاوة الموهومة ، وبالتالي لا يجد ما يبرر شوقه السابق ، كالأحلام الكاذبة التي يراها الشاب قبل زواجه ..ويكون ( تكرّر ) هذا الإحباط مدعاة ( للملل ) من الدنيا وما فيها ..وهذا هو السر في استحداث أهل الهوى وسائل غريبة للاستمتاع يصل إلى حد الجنون !..أما النفوس المطمئنة - بحقيقة فناء اللذات وعدم مطابقة الواقعية منها لما تخيلها صاحبها ، بل وجود لذائد أخري ما وراء الحس لا تقاس بلذائذ عالم الحس - ففي غنى عن تجارب المعاناة والإحباط ، لاكتشافهم الجديد الباقي حتى في عالم اللذات ، إذ أن كل نعيم دون الجنة مملول .
الومضة رقم 82: الخسارة الدائمة
إن الإنسان يعيش حالة خسارة دائمة ، إذ أن كل نَفَس من أنفاسه ( قطعة ) من عمره ، فلو لم يتحول إلى شحنة طاعة ، لذهب ( سدىً ) بل أورث حسرة وندامة ..ولو عاش العبد حقيقة هذه الخسارة لانتابته حالة من الدهشة القاتلة!..فكيف يرضى العبد أن يهدر في كل آن ، ما به يمكن أن يكتسب الخلود في مقعد صدق عند مليك مقتدر ؟!..وقد ورد في الحديث: ** خسر من ذهبت حياته وعمره ، فيما يباعده من الله عز وجل **البحار-ج10ص110..والملفت حقا في هذا المجال أن كل آن من آناء عمره ، حصيلة تفاعلات كبرى في عالم الأنفس والآفاق ، إذ أن هذا النظم المتقن في كل عوالم الوجود - كقوانين السلامة في البدن و تعادل التجاذب في الكون - هو الذي أفرز السلامة والعافية للعبد كي يعمل ، فما العذر بعد ذلك ؟!..وإيقاف الخسارة في أية مرحلة من العمر - ربح في حد نفسه - لا ينبغي تفويته ، فلا ينبغي ( التقاعس ) بدعوى فوات الأوان ، ومجمل القول: أن الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما .

الومضة رقم 83: أدنى الحظوظ وأعلاها
لكل من القلب والعقل والبدن حظّه من العبادة ، نظرا لتفاعله الخاص به ، فللأول ( المشاعر ) ، وللثاني ( الإدراك ) ، وللثالث ( الحركة ) الخارجية ..وأدنى الحظوظ إنما هو للبدن ، لأنها أبعد الأقمار عن شمس الحقيقة الإنسانية ..وقد انعكس الأمر عند عامة الخلق ، فصرفوا جُلّ اهتمامهم في العبادة إلى حظ البدن ، وصل بهم إلى حد الوسوسة المخرجة لهم عن روح العبادة التي أرادها المولى منهم ، مهملين بذلك أمر اللطيفة الربانية المودعة فيهم ..ومن هنا لا نجد لعباداتهم كثير أثر يذكر غير الإجراء وعدم لزوم القضاء ..ومن المعلوم أن هذا الأُنس الظاهري بالعبادة ، متأثر بطبيعة النفس التي تتعامل مع الحقائق من خلال مظاهرها المادية ، وليست لها القدرة - من دون مجاهدة - على شهود الحقائق بواقعيتها ، ومن هنا عُلم منـزلة إبراهيم الخليل (ع) الذي أراه الحق ملكوت السماوات والأرض .

الومضة رقم 84: مخالفة النفس فيما تهوى
إن مخالفة النفس فيما تهوى وتكره لمن أهم أسس التزكية ، وخاصة عند ( إصرار ) النفس على رغبة جامحة في مأكل ، أو ملبس ، أو غير ذلك ..فان الوقوف أمام النفس - ولو في بعض الحالات - ضروري لتعويد النفس على التنازل عن هواها لحكم العقل ، ولإشعارها أن للعقل دوره الفعّال في إدارة شؤون النفس ، بتنصيب من المولى الذي جعل العقل رسولاً باطنياً ، وقد روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : ** إذا صعبت عليك نفسك ، فاصعب لها تذلّ لك **البحارج78ص119..ومن الملحوظ إحساس العبد ( بهالة ) من السمو والعزة ، عند مخالفة شهوة من الشهوات ، وهذه الحالة جائزة معجلة في الدنيا قبل الآخرة ، إذ يجد حلاوة الإيمان في قلبه ..هذه الحلاوة تجبر حرمان النفس من الشهوة العاجلة ، بل يصل الأمر إلى أن يعيش الإنسان حالة التلذذ في ترك اللذائذ ، لما فيها من السمو والتعالي عن مقتضيات الطبع ، بل يصل الأمر عند - الكمّلين - إلى مرحلة يتلذذون فيها ( برضا ) الحق عنهم حين تلذذهم بالمباحات ، أكثر من تلذذهم ( باللذة ) نفسها ..فمثلا يرون أن لذة رضا المولى على عبده بالزواج ، ألذ لديهم من عملية المعاشرة نفسها ، وهذا معنىً لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم .

الومضة رقم 85: التجلي في الآفاق والأنفس
لقد تجلّى الحق في عالم ( الآفاق ) ، فأوجد هذا النظام المتقن الذي أذهل أرباب العقول على مر العصور ..فكيف إذا أراد الحق أن يتجلى لعبده في عالم ( الأنفس ) فيمن أراد سياسته وتقويمه ؟!..ولئن كانت العجائب لا تعد في عالم الآفاق ، فان العجائب لا تدرك في عالم الأنفس!!..ولا عجب في ذلك ، فإن المبدع في عالم الآفاق هو بنفسه المبدع في عالم الأنفس ، بل اكثر تجليـّا فيها ، لأنها ( عرش ) تجليه الأعظم ..فالمهم في العبد أن يعّرض نفسه لهذه النفحات ، حتى يصل إلى مرحلة: ** عبدي أطعني تكن مَثَلي ، أقول للشيء كن فيكون ، وتقول للشيء كن فيكون **.

الومضة رقم 86: المال آلة اللذائذ
إن المال آلة لكسب اللذائذ ، فالذي لا تأسره لذائد المادة ، لا يجد في نفسه مبررا للحرص والولع في جمعه ، كما هو الغالب على أهل اللذائذ ، لأن لذائذهم لا تشترى إلا بالمال كلذة البطن والفرج ، وهو المتعالي عن تلك اللذائذ ..وبهذا ( التعالي ) النفسي يكون قد خرج من أسر عظيم وقع فيه أهل الدنيا ..وأما الذي ( ترقّى ) عن عالم اللذائذ الحسية ، فإن له شغل شاغل عن جمع المال بل عن الالتفات إليه ، إذ أن من لا تغريه اللذة ، لا تغريه مادتها أي ( المال )..وهذه هي المرحلة التي لا يجد فيها العبد كثير معاناة في دفع شهوة المال عن نفسه ، إذ اللذائذ أسيرة له ، لا هو أسير لهـا .

الومضة رقم 87: اللقاء في الأسحار
إن القيام في الأسحار بمثابة لقاء المولى مع خواص عبيده ، ولهذا لا ( تتسنى ) هذه الدعوة إلا لمن نظر إليه المولى بعين ( اللطف ) والرضا ، وهي الساعة التي يكاد يطبق فيها نوم الغفلة حتى البهائم ..ومن المعلوم أن نفس قيام الليل - مع قطع النظر عن حالة الإقبال - مكسب عظيم ، لما فيه من الخروج على سلطان النوم القاهر ، فكيف إذا اقترن ذلك بحالة الالتجاء والتضرّع ؟!..ومن هنا جعل المولى جل ذكره ( ابتعاث ) النبي (ص) المقام المحمود مرتبطا بتهجده في الأسحار ، رغم حيازته للملكات العظيمة الأخرى ..ويمكن القول - باطمئنان - أن قيام الليل هو القاسم المشترك بين جميع الأولياء والصلحاء ، الذين يشتد شوقهم إلى الليل ترقّباً للذائذ الأسحار ..وقد روي عن الإمام العسكري (ع) أنه قال : ** الوصول إلى الله ، سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل **البحار-ج78ص379.

الومضة رقم 88: التشويش الباطني
إن من الضروري لمن يريد الثبات في السير إلى الله تعالى ، أن يستبعد عن طريقه كل موجبات القلق والاضطراب ، فإن التشويش الباطني بمثابة تحريك العصا في الماء العكر ، الذي يُخرجه عن صفة المرآتية للصور الجميلة والحالة تلك!..وإن استبعاد موجبات القلق يكون: بدفعها وعدم التعرض لها ( كعدم ) الاستدانة مع العجز عن السداد ..ويكون برفعها وإزالة الموجب لهـا ( كأداء ) الدين مع القدرة على أدائها ..ويكون بالتعالي وصرف الذهن عنها مع العجز التام عن الدفع والرفع ( كالعاجز ) عن السداد بعد الاستدانة ..وتفويض الأمر في كل المراحل - خصوصا الأخيرة - إلى مسبِّب الأسباب من غير سبب .

الومضة رقم 89: دواعي الهدى والهوى
إن الإخلاد إلى الأرض والركون إلى الشهوات البهيمية مما يوافق دواعي الهوى ، وبذلك تكون حركة الإنسان نحوها سريعة للغاية لو استرسل في شهواته ولم يغالبها ، وفي هذا السياق يبدي أمير المؤمنين (ع) تعجبه بقوله: ** كيف يستطيع الهدى من يغلبه الهوى ؟ **..ولكنه في الوقت نفسه فإن التعالي والسمو إلى درجات القرب من الحق أيضا مما يوافق دواعي الهدى ، وهي إرادة الحق ورغبته ، بل دعوته الأكيدة للناس إليه بقوله: ** ففروا إلى الله **..فكما أن الهوى في عالم التكوين سائق لصاحبه إلى الهاوية ، فإن ( مشيئة ) الحق ، وارداته ( التشريعية ) لطهارة العبيد كذلك ( تيسّر ) سبيل الوصول لمن تعرض لنفحات تلك الإرادة التي عبّر عنها الحق بقوله: ** ولكن يريد ليطهركم **.

الومضة رقم 90: البلاء المعوض
إن البلاء الذي يصيب المؤمن الذي اخلص حياته لله رب العالمين ، بمثابة البلاء الذي يصيب العامل أثناء العمل مع من ضمن له الخسارة في نفسه وبدنه ..فمع علمه بأن كل بلاء يصيبه فهو ( مضمون ) العوض ، فإنه لا ( يستوحش ) لتوارد البلاء مهما كان شديدا ..بل قد يفرح - في قرارة نفسه - لو علم بالعوض المضاعف الذي لا يتناسب مع حجم الخسارة ، وهذا خلافا لمن يصيبه البلاء وهو لا يعلم انه رفع لدرجة أو كفارة لسيئة ، فيستوحش من أدنى البلاء يصيبه ، لما يرى فيه من تفويتٍ للّذائذ من دون تعويض .

الومضة رقم 91: العبثية في السلوك
إن الخوض فيما لايعني مصداق لحالة العبثية و ( اللاجدية ) في سلوك الإنسان ، وهو من موجبات قساوة القلب ..إذ القلب المشتغل بأمر لا يحتمل الاشتغال بأمر آخر ، ولو كان اللاحق أنفع من سابقه ..فليتأمل في مضمون هذا الحديث القدسي: ** يا ابن آدم إذا وجدت قساوة في قلبك ، وسقما في جسمك ، ونقصا في مالك ، وحريمة في رزقك ، فاعلم انك قد تكلمت فيما لا يعنيك **..فإذا كان الخوض فيما لا يعني - ولو كان حلالاً - مما تترتب عليه هذه الآثار المهلكة ، فكيف بالخوض في ( الحرام ) ؟!.
الومضة رقم 92: هندسة التكامل
إن الذي يريد أن يحقق مستوى من التكامل الروحي في حياته ، عليه أن يمتلك خطة مدروسة: لها ( مراحلها ) المتدرجة ، ولها ( تقسيمها ) الزمني لكل مرحلة ، وفيها ( دراسة ) لنقاط ضعفه وقوته ، وفيها ( ملاحظة ) لتجارب الآخرين ، وفيها ( معرفة ) للعوارض التي تنتاب مجمل السائرين في الطريق: كالقبض والبسط ، وإعراض الخلق ، وضيق الصدر ، وهجوم الوساوس ..هذا المخطط ببعديه النظري والعملي ، ينبغي أن يكون واضحا دائما للسائرين إلى الله تعالى ، وإلا كان صاحبها كمن يحتطب ليلا ..إذ كما أن هندسة البناء المادي - وإن طال البحث فيها - أساس لنجاح البناء خارجاً ، فكذلك الأمر في البناء المعنوي ، فإن وضوح الخطـة وإتقانها ، وهندسة مراحلها ، مدعاة للسير على هدى واطمئنان ، وهذا بخلاف السائر على غير ( هدى ) ، فإنه لا تزيده كثرة السير إلا بعداً .

الومضة رقم 93: الصلاة موعد اللقاء
إن من اللازم أن نتعامل مع ( وقت ) الصلاة على أنه موعد اللقاء مع من بيده مقاليد الأمور كلها ..ومع ( الأذان ) على انه إذن رسمي بالتشريف ..ومع ( الساتر ) بزينته على انه الزيّ الرسمي للّقاء ..ومع ( المسجد ) على أنه قاعة السلطان الكبرى ..ومع ( القراءة ) على أنه حديث الرب مع العبد ..ومع ( الدعاء ) على أنه حديث العبد مع الرب ..ومع ( التسليم ) على أنه إنهاء لهذا اللقاء المبارك ، والذي يفترض فيه أن تنتاب الإنسان عنده حـالة من ألم الفراق والتوديع ..ومن هنا تهيّب الأولياء من الدخول في الصلاة ، وأسفوا للخروج منها .
الومضة رقم 94: فرق الحال عن المقام
إن هناك فرقا واضحا بين الحالات الروحية ( المتقطعة ) التي تعطى للعبد - بحسب قابليته - بين فترة وأخرى ، وبين المقامات الروحية ( الثابتة ) التي لا تفارق صاحبها أبدا ..واستبدال الحال بالمقام يفتقر إلى رؤية واضحة للحالتين ، ومعرفة بموجباتهما ، وتجربة خاصة للعبد المراقب لنفسه ..ومجمل القول: أن استمرار الحالات الروحية المتقطعة ، وتحاشي موجبات الإدبار ، والالتزام العملي الدقيق بما يرضي المولى تبارك وتعالى ، والالتجاء الدائم إليه بالتوسل بمن لديهم أرقى درجات الزلفى لديه ..كل هذه الأمور دخيلة في تحويل الحالات المتناوبة إلى مقامات ثابتة ، ولكن بعد فترة من الصمود والاستقامة فيما ذكر.

الومضة رقم 95: مرحلة الاصطفاء
قد يصل العبد بعد مرحلة طويلة من ( المجاهدة ) في طريق الحق إلى مرحلة ( الاصطفاء ) الإلهي له..ومن مميزات هذه المرحلة أن العبد يعيش فيها حالة القرب الثابت من الحق - حتى مع عدم بذل جهد مرهق - في هذا المجال ..فهو يعيش حالة حضور ( دائم ) بين يدي المولى سبحانه ، إذ العالم كله محضر قدسه ، بكل ما في هذا الحضور من آداب الضيافة الربوبية ، التي لم تتم لولا دعوة الحق المتعال عبده إلى نفسه اكراما وحبـّا له ..وقد روي أن موسى (ع) سأل ربه: يارب وددت أن أعلم من تحب من عبادك فأحبه ، فأجابه: ** إذا رأيت عبدي يكثر ذكري ، فأنا أذنت له في ذلك وأنا أحبه **البحار-ج93ص160..والتأمل في هذا المضمون النادر ، يفتح آفاقاً للذاكر وخاصة في بداية الطريق .
الومضة رقم 96: ساعات الجد الواقعي
إن كل نشاط وحركة ( جـدّ ) في الحياة ، لهو أقرب إلى ( اللهو ) والبطالة ، إن لم يكن في سبيل مرضاته تعالى ..فما يمنّي به بعضهم نفسه بأنه مشغول طول وقته بالبحث العلمي ، أو التجارة ، أو عمران البلاد ، أو سياسة العباد ، أشبه بسراب يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وذلك فيما لو إنتفى قصد القربة الذي يضفي الجدية على كل سلوك ..وقد ذكر القرآن الكريم الأخسرين أعمالاً بقوله: ** الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ** .. ورأس ساعات الجد هو ساعة ( الإقبال ) على المولى بكل أركان الوجود وذلك في الصلاة وغيرها ، ومن ساعة الجد هذه يترشح الجد على الساعات الأخرى من الحياة ..وقد بيّن أمير المؤمنين (ع) في كتابه إلى واليه على مصر مالك الأشتر موقع الصلاة من الاعمال بقوله: ** واعلم أن كل شئ من عملك تابع لصلاتك ، واعلم أنه من ضيع الصلاة ، فإنه لغير الصلاة من شرائع الإسلام أضيع **تحف العقول-ص126.
الومضة رقم 97: التعالي قاصم للظهر
إن من الواضحات التي ينبغي الالتفات إليها دوما ضرورة تحاشي الإحساس ( بالعلوّ ) على المخلوقين ..فهذا الترفع ولو كان في - باطن النفس - لمن قواصم الظهر ،كما قصم من قبل ظهر إبليس ، مع سابقته قليلة النظير في عبادة الحق ..وطرد هذا الشعور يتوقف على الاعتقاد بأن بواطن الخلق محجوبة إلا عن رب العالمين ، فكيف جاز لنا قياس ( المعلوم ) من حالاتنا ، إلى المجهول من حالات الآخرين ، بل قياس ( المجهول ) من حالاتنا إلى المجهول من حالاتهم ، ثم الحكـم بالتفاضل ؟!..أضف إلى جهالة الإنسان بخواتيم الأعمال وهو مدار الحساب والعقاب ..ومن هنا أشفق المشفقون من الأولياء من سوء الخاتمة ، لتظافر جهود الشياطين على سلب العاقبة المحمودة للسائرين على درب الهدى ، ولو في ختام الحلبة ، إذ أنها ساعة الحسم ، ولطالما افلحوا في ذلك .

الومضة رقم 98: انحراف المدعين للمقامات
يتحير بعضهم في تفسير انحراف من أوتي نصيبا من العلم - حتى الإلهي منه - إذ تراهم يحلّقون في دعوى الحب الإلهي ، وكشف حقائق عالم الوجود كما يدعونها في منظوماتهم ومنثوراتهم ..ومن الأمثلة القرآنية على ذلك ( بلعم ) الذي أوتي الاسم الأعظم ، وقد وصفه القرآن بأنه أوتي الآيات ، فأسند المولى الإيتاء إلى نفسه فقال : {آتيناه**، ومن ثم جمع ما آتاه فقال : {آياتنا**..وقد روي عن الباقر (ع) أنه قال : ** الأصل في ذلك بلعم ، ثم ضرب الله مثلاً لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة **مجمع البيان-ج2ص499..ولا غرابة في هذا الأمر ، إذ أن العبد في كل مرحلة هو في شأن ، و( الاستقامة ) في العبودية من جانب العبد ، فرع ( الحصانة ) الربوبية من جانب الرب ..هذه الحصانة التي لو رفعت عن العبد - بجريرة ارتكبها - لهوت به الريح في مكان سحيق ..ولـيُعلم في هذا المجال أن الحديث عن منازل الكمال وأسرار الطريق ، يتوقف على نوع معرفة يكتسبها صاحبها: بالتأمل ، أو الرياضة النفسية ، أو الاكتساب من الغير ..وهذا المقدار من المعرفة النظرية لا دلالة فيها على كمال صاحبها بالضرورة ، فهو علم لا يستلزم الكمال بمجرده ..كما قد يتفق ذلك كثيرا لأرباب العلوم الأخرى كالطب والحكمة ، فتجد الطبيب سقيما والحكيم يرتكب ما هو أقرب إلى السفه .

الومضة رقم 99: الأوقات المباركة
إن ( قصر ) فترة الحياة الدنيا - قياسا إلى الفترة اللامتناهية - من الحياة العقبى ، يجعل الإنسان ( محدوداً ) في كسبه ، وخاصة أنه يريد بكسبه المحدود تقرير مصيره الأبدي سعادةً أو شقاء ، إذ الدنيا مزرعة الآخرة ..ولهذا منح الرب الكريم بعض الأوقات وبعض الأعمال من البركات والآثار ، ( تعويضا ) لقصر الدنيا بما يذهل الألباب!!..فليلة القدر خير من ألف شهر ، وتفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ، وقضاء حاجة مؤمن أفضل من عتق ألف رقبة لوجه الله ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر ، إلى غير ذلك من النماذج الكثيرة في روايات ثواب الأعمال .

الومضة رقم 100: حالة المصلي في المسجد
إن على العبد - عند دخول المسجد - أن يستحضر ( مالكية ) المولى لذلك المكان و ( انتسابه ) إليه كبيت من بيوته ، فيعظم توقيره لذلك المكان ويزداد أنسه به ، إذ الميل إلى المحبوب يستلزم الميل إلى ( متعلقاته ) ومنها الأمكنة المنتسبة إليه ..ويكون لصلاته في ذلك البيت المنتسب للرب تعالى ، وقع متميز في نفسه ، فيعظم معها أمله بالإجابة ..كما يحنو بقلبه على المصطفين معه في صفوف الطاعة لله تعالى ، إذ يجمعه بهم جامع التوقير له والوقوف بين يديه ..كل هذه المشاعر المباركة وغيرها ، فرع تحقق الحالة الوجدانية التي ذكرناها ..ومن هنا يعلم السر في مباركة الحق في جمع المصلين في بيوته بما لا يخطر على الأذهان ، بل قد ورد أن الشيطان لا يمنع شيئا من العبادات كمنعه للجماعة ( العروة الوثقى-احكام الجماعة )


 

قديم 02-16-2013, 04:55 AM   #3
أسطورة العشق الإلهي..


الصورة الرمزية رقية حسين
رقية حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 العمر : 24
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم :  346
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
لوني المفضل : Indigo

اوسمتي

افتراضي



الومضة رقم 101: معرفة سلامة القلب
إن من مقاييس معرفة سلامة القلب ، هو البحث عن ( محور ) اهتمام القلب ومصب اهتمامه ، وما هو الغالب على همه ..فإن كان المحور هو الحق صار القلب إلهـيّا تبعا لمحوره ، وإلا استحال القلب إلى ما هو محور اهتمامه ، ولو كان أمراً تافها ، كما ذكر أمير المؤمنين لنوف قائلاً: ** من أحبنا كان معنا يوم القيامة ، ولو أن رجلاً أحب حجراً لحشره الله معه **البحار-ج77ص384..وقد ورد في الحديث القدسي ما يمكن استفادة هذا المعنى منه: ** إذا علمت أن الغالب على عبدي الاشتغال بي ، نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي ، فإذا كان عندي كذلك ، فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو **البحار-ج93ص162..وقد سمي القلب قلباً لشدة تقلبه ، ومن هنا لزم ( تعهّد ) محور القلب في كل وقت ، تحاشيا ( لانقلابه ) عن محوره ، متأثراً باهتمام قلبه فيما يفسده ويغيّر من جهة ميله .
الومضة رقم 102: شهوة الشهرة
إن من الشهوات التي تستهوي الخواص من العباد هو حب الشهرة ، فيبذلون لأجلها الكثير ، فضلاً عن إيقاع أنفسهم في موجبات الردى ، وارتكاب ما لا يمكن التكفير عنه ..والحال أن واقع الشهرة هو ميل الإنسان لانطباع صورته الحسنة في قلوب الآخرين ..فالأجدر به أن يسأل نفسه: أنه ما قيمة ( رضا ) القلوب قياسا إلى رضا رب القلوب ، فضلا عن ذلك ( الاعتبار ) النفسي فيها ؟! وهل ( يمتلك ) هذه الصور الذهنية لتكون جزء من كيانه يلتذ بوجدانها ؟! وهل ( يضمن ) بقاء هذه الصور المحسَّنة في قلوب العامة الذين تتجاذبهم الأهواء ، فلا ضمان لقرارهم ولا ثبات لمواقفهم ؟!..والحل الجامع هو الالتفات إلى حقيقة فناء ما هو دون الحق ، وبقاء وجه الرب الذي ببقائه يبقى ما هو منتسب إليه ، مصداقا لقوله تعالى: ** كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام **.

الومضة رقم 103: موطن المعاني هو القلب
إن الكثير من المعاني التي تستوطن ( القلب ) نحبسها في سجن عالم ( الألفاظ ) ..وكأنّ تلك المعاني تتحقق بإمرار مضامينها على اللسان لقلقة لا تدبر فيها ..فمن هذه المعاني : الاستعاذة ، والشكر ، والاستغفار ، والدعاء ، والرهبة ، وغير ذلك مما بنبغي صدورها من القلب ، تحقيقا لماهيتها الواقعية لا الإدعائية ..فالخوف المستلزم للاستعاذة ، والندم المستلزم للاستغفار ، والخجل المستلزم للشكر ، والافتقار المستلزم للدعاء ، كلها معانٍ ( منقدحة ) في القلب ..والألفاظ إنما تشير إلى هذه المعاني المتحققة في رتبة سابقة أو مقارنة ، فالحق :
إن الكلام لفي الفؤاد وانما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
الومضة رقم 104: سعة مجال الإستجابة
إن من دواعي ( الانصراف ) عن الدعاء ، هو ( اليأس ) من الاستجابة في كثير من المواطن ..ولو أعتقد العبد اعتقادا يقينيا بامتداد ساحة حياته ، لتشمل حياة ما بعد الموت إلى الخلود في القيامة ، لرأى أن مجال الاستجابة يستوعب هذه الفترة كلها ، بل إنه أحوج ما يكون للاستجابة في تلك المراحل العصيبة من مـواقف القيامة ..ولهذا يتمنى العبد أنه لم تستجب له دعوة واحدة في الدنيا ، ومن هنا ورد في الدعاء : ** ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي ، لعلمك بعاقبة الأُمور **..إن وعي هذه الأمور يجعل الداعي ( مصراً ) في دعائه ، غير مكترث بالاستجابة العاجلة ، يضاف إلى كل ذلك تلذذه بنفس الحديث مع رب العالمين ، إذ أذن له في مناجاته ومسألته .

الومضة رقم 105: اللوامة والأمارة
إن من المعلوم إيداع المولى في نفوس عباده ما يردعهم عن الفاحشة ، وهو ما يعبر عنه بنداء الفطرة أو حكم العقل أو النفس اللوامة ..إلا أن ( تراكم ) الذنوب وعدم الاكتراث بتلك النداءات - بل العمل بخلافها - مما ( يطفئ ) ذلك الوميض الإلهي ، فلا يجد الإنسان بعدها رادعا في باطنه ، بل تنقلب النفس اللوامة إلى نفس أمارة بالسوء ، تدعو إلى ارتكاب بوائق الأمور إذ: ** زين لهم الشيطان أعمالهم **..ولهذا يستعيذ أمير المؤمنين (ع) قائلا : ** أعوذ بالله من سبات العقل **البحار-ج41ص162..( فسبات ) العقل يلازم ( استيقاظ ) الأهواء والشهوات ، إلى درجة يموت معه العقل بعد السبات .
الومضة رقم 106: الجن والشياطين
اعتاد البعض على الخوف من قضايا الجن ، وإيذائهم لبني آدم مع ما ينسجونه في هذا المجال من أنواع الخيال والأساطير ..والأجدر بهم أن ينتابهم الخوف من حقيقة أشد ملامسة لواقع البشر وأخطر على مسيرته وهي قضية إبليس ..فانه قد أقسم على إغواء البشر بشتى صنوفه ، لا يستثنى منهم أحدا إلا عباد الله المخلصين ..وهذا الخوف من الخوف ( المحمود ) بخلاف الخوف الأول ، لما يستلزمه من الحذر لئلا يقع في حباله ..والمشكلة في هذا العدو أنه لا يترك الإنسان حتى لو تركه ، وكف عن عداوته ، بل يزداد ( التصاقا ) بالعبد كلما ( أهمله ) أو داهنه .

الومضة رقم 107: الرفق بالمبتدئين
إن نفوس المبتدئين في عالم تكامل ( الأرواح ) ، بمثابة نفوس الناشئة في عالم تكامل ( الأبدان ) الذين لا يجدي معهم أساليب القهر والتعسف ..بل لابد من ( الرّفق ) بهم أولا ، وإتّباع ( المرحلية ) في تربيتهم ثانيا ، والدخول إليهم من المداخل ( المحببة ) إليهم ثالثاً ..وهكذا الأمر في النفوس ، فإنها جموحة غير سلسة القياد ، فلا نكلفها فوق طاقتها ، إذ في الحديث الشريف: ** إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق **..ولا نكلفها المراحل العليا ، إلا بعد استيفاء المراحل قبلها ، وينبغي ( التحايل ) عليها فنعطيها اليسير من الحلال لتمكّننا في الكثير من الطاعة ، ونرفع عنها كلفة النوافل عند الإدبار لئلا تدبر عند الفرائض ، ونرغّبها في العظيم من اللذائذ الآجلة ، لتزهد في المهالك من اللذائذ العاجلة ..وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال : ** خادع نفسك في العبادة وارفق بها ولا تقهرها ، وخذ عفوها ونشاطها إلا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة ، فإنه لا بد لك من قضائها **- البحارج33ص508 .

الومضة رقم 108: النمو المتصل والمنفصل
للإنسان نوعان من النمو ، الأول: وهو النمو في نطاق ذاته - وما به قوام إنسانيته - كالنمو في الجانب العلمي والعملي ، وهو النمو ( المتصل ) ..والثاني: وهو النمو خارج دائرة ذاته كالنماء في ماله وما شاكله من متاع الدنيا ، وهو النمو ( المنفصل ) ..هذه الزيادات الخارجة عن دائرة ذاته لا تعطيه قيمة ( ذاتـيّة ) توجب له الترفع على الذوات الأخرى ، فالذات الواجدة والفاقدة - لما هو خارج عن دائرة الذات - تكونان على حد سواء ..فلا تفاضل بين ذات الواجد والفاقد للمال والجاه وغيرهما ، إلا بالنمو الذاتي الذي أشرنا إليه أولاً ، وأما التفاضل الاعتباري فلا وزن له ..وتتجلى هذه الحقيقة المرّة عند الموت ، حيث يتعرى الإنسان من كل هذه الزيادات المنفصلة الخادعة ، فيقول الحق محذرا: ** ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ** .

الومضة رقم 109: النسبية فيما يعني
يلزم الالتفات إلى ( النسبية ) في قضية ما يعني وما لايعني ..فإن الأمر قد يكون الدخول فيه نافعاً بالنسبة إلى فرد دون آخر ، وعليه فلا يكتفي العبد - في مقام العبودية - بالنفع العام أو النفع الخاص للآخرين ، بل لابد من ملاحظة النفع الخاص بالنسبة إليه ، وهو ما يعنيه بالخصوص ..فالذي يخوض في الخلافات بين العباد - من دون وجود تأثير في خوضه لا علماً ولا عملاً - لهو من الخائضين في الباطل ، وتترتب عليه الآثار من ( قساوة ) القلب ، و( زلل ) القول والفعل ، مما يكون العاقل في غنىً عنه ..وقس عليه باقي موارد النسبية فيما لا يعني العبد .

الومضة رقم 110: الجو الجماعي للطاعة
عندما يقع العبد في الأجواء العبادية المحفزة - لوجود الجو الجماعي - كالحج وشهر رمضان ، يجد في نفسه قدرة ( مضاعفة ) على العبادة ، لم يعهدها من نفسه ، بل لم يتوقعها منها ..وهذا بدوره يدل على وجود طاقات ( كامنة ) في نفسه ، لم يستخرجها بل لم يود إخراجها ، مما يشكل حجة على العبد يوم القيامة توجب له الحسرة الدائمة ..وعليه فلابد من ( استغلال ) ساعات هطول الغيث الإلهي ، ليستفيد منها في ساعات الجدب ، فيكون كمن زرع بذرة ونمّاها في مشتله ، ثم إذا اشتد عودها زرعها في مزرعته ، ليجني ثمارها ولو بعد حين ..فتلك الأجواء العبادية المحفزة ، بمثابة المشتل الذي يزرع فيه الإنسان بذور الخير ، ليستنبتها عند العودة إلى بيئته التي تتلاشى فيها تلك الأجواء المقدسة .
الومضة رقم 111: إدامة حالة الرقة
قد تنتاب الإنسان ساعة إقبال وهو في حالة معينة من قيام أو قعود أو خلوة ..فيستحسن ( البقاء ) في تلك الهيئة الخاصة لئلا ( يرتفع ) حضوره و إقباله ..وذلك كمن أدركته الرقة وهو في حال القنوت ، فعليه الإطالة في تلك الحالة ، لئلا تزول في الركوع مثلا ..أو كمن أقبل على ربه في المسجد ، فعليه ألاّ يستعجل الخروج ، حذراً من زوال تلك الحالة ، أو كمن كان له أنس في ( خلوة ) ، فعليه ألا يسارع في الانتقال إلى جلوات الآخرين .

الومضة رقم 112: الذكر في الغافلين
يتأكد على العبد ( الإكثار ) من ذكر الله تعالى في البقاع التي لا ( يتعارف ) فيها ذكره كبلاد الكفر ، أو مواطن المعصية ، أو مواطن الغفلة كالأسواق ، أو مجالس البطالين فقد ورد: ** أكثروا ذكر الله إذا دخلتم الأسواق وعند اشتغال الناس **البحار-ج93ص154..فإن في الذكر- عند الغافلين - من عطاء الحق ومباركته ، ما ليس في الذكر عند الذاكرين ، وقد وُصف في الأخبار بأنه كالمقاتل بين الهاربين ..ومِثْل هذا العبد ممن يُباهى به الملائكة ، لأنه كان في ( مظان ) الغفلة وخرج عنها بإرادته ، منتصراً على دواعي الغفلة ..وقد ورد في الخبر: {ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجار ، ثم تفرقوا على غير ذكر الله ، إلا كان ذلك حسرة عليهم يوم القيامة **البحار-ج75 ص468 .

الومضة رقم 113: الدعاء المناسب للحالة
إن أدعية الأئمة (ع) - ومنها المناجاة الخمسة عشر - تتناسب مع الحالات المختلفة للعبد ..فينبغي اختيار الدعاء المناسب لتلك الحالة الخاصة ، وهذا بدوره يحتاج إلى تذوّق خاص لكلماتهم يحصل بالممارسة ..فحالة ( المقصّر ) يناسبها دعاء التائبين أو الشاكين ، وحالة ( المنبسط ) في الطاعة يناسبها دعاء المحبين أو المريدين ، وحالة ( الوَجِل ) يناسبها دعاء الخائفين أو الراجين ، وحالة ( المستغرق ) في النعم يناسبها دعاء الشاكرين ، وهكذا الأمر في باقي الأدعية ..وعليه فإنه من المناسب استقراء أدعيتهم - وخاصة في المناجاة - لاستخلاص ما يناسب الحالة الموافقة لهـا .

الومضة رقم 114: التزاحم في الواجب والمستحب
إن قانون التزاحم سار في المستحبات والواجبات معاً ..فكم من مستحب يمارسه العبد ينبغي تركه ، نظراً لمزاحمته لمستحب أهم ..ولو التفت العبد إلى هذه القاعدة لأعاد النظر في تقييم الواجبات والمستحبات المتزاحمة ..ومثال ذلك: ( الذّكر ) باللسان تاركاً ( الاستماع ) لموعظة قد تغير مجرى حياته ، أو الالتزام ( بالصمت ) تاركا إدخال ( سرور ) على قلب جليس مؤمن أو تفريج كربة عنه ، أو الانشغال بالأبعدين تاركاً القيام بحقوق الأقربين ..كل ذلك من صور الخلل بهذا القانون ، ولو استفهم العبد ربه في هذا المجال ، لدلّه على ما هو الأرضى ، إذ من استفهم الله تعالى يفهمه .

الومضة رقم 115: شكورية الحق
يتجلى في الحج شكورية الحق المتعال ، بما لا يتناسب مع فعل العبد ..إذ هو الذي وعد الزيادة مع الشكر ، ولاشك أن زيادته من الفضل الذي لا حساب له ..فإن عمل إبراهيم وإسماعيل (ع) وهاجر مهما بدا عظيما ، إلا أنه فعل ( تصرّم ) في وقته ، بل إن بعضه كان في مرحلة العزم ولم يتحقق خارجا كذبح إسماعيل ، ومع ذلك خُلِّدت آثار أعمالهم كما نلاحظها في السعي والهرولة تخليداً ( لبحث ) هاجر عن الماء ، والمقام تخليداً ( لبنائهم ) للكعبة ، ورمي الجمرات تخليداً ( لمجاهدتهم ) للشيطان ، وبئر زمزم تخليداً ( لتحملّهم ) العطش في مرضاته ، ومسجد الخيف تخليداً ( لامتثال ) إبراهيم أمر الحق في إسماعيل ، والحِجْر تخليداً ( لمضاجعهم ) المباركة بجوار بيته الحرام .

الومضة رقم 116: الحسرة على الخيرات
قد يتحسر بعضهم - وخاصة من الذين لا يملكون القدرة على تحقيق الخيرات المحسوسة كالقناطر والمساجد - على حرمانهم مثل هذا التوفيق ..ولكنه يمكن إزالة هذه الحسرة بالالتفات إلى أن العبد - بفضله تعالى - يؤجر على ( نيّـته ) إذا كان حقا صادقاً في نيته ، فإن أمير المؤمنين (ع) يعدّ من كان هواه معه في الحرب كمن شهد معه الحرب ، قائلا: {فقد شهدنا ، ولقد شهدنا في عسكرنا هذا قوم في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان **البحار-ج100ص96..وقد خلّد الحق ذكر الذين تولوا من عند النبي (ص) وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ، إذ لم يجد ما يحملهم إلى الجهاد ، وقد قيل أن البكائين طلبوا نعلا يلبسونها ..وليعلم أخيراً أن العمدة في الجزاء هو ( القلب السليم ) المتنـزه عن كل آفات القلوب ، واكتسابه مما لا يحتاج إلى مال ولا متاع ..فأين القلب السليم الذي هو ( عرش الرحمن ) ، من البناء الذي هو مظهر من مظاهر العمران ؟!.
الومضة رقم 117: السفر الهادف
إن في السفر مجالاً خصباً للتدبر وتقويم مسيرة العبد وتقييمها ، وذلك لما فيه من ( الانقطاع ) عن البيئة المألوفة ، و( الخروج ) عن أسر القيود المتعارفة ، أضف إلى ( الراحة ) النفسية التي يوفّرها السفر ، وبالتالي سكون النفس إلى ما ينبغي العيش فيه من المعاني التي لا يمكن استحضارها في زحمة الحياة ..وهذه الراحة بدورها عامل مساعد لانطلاقة النفس بشكل أيسر وأسهل في استكشاف أغوارها ، ونقاط ضعفها ، بدلا من التفرج على مظاهر العمران في البلاد فحسب ..فإن الأمر بالسير في الأرض ، قد تعقّـبه الأمر بالنظر في العواقب ، إذ قال سبحانه: ** قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين **..ومن المعلوم أن المرء يكتشف قدر نفسه والآخرين ، في السفر والجوار والمعاملة .

الومضة رقم 118: حب التوابين
إن ( الاشمئزاز ) الذي ينتاب العبد بعد المعصية ، قد يكون - في بعض الحالات - من دواعي ( القرب ) إلى الحق ..ومن هنا كان الحق يحب التوابين ، وهو الملفت حقا في هذا المجال ، إذ قد علمنا أن الحب إنما هو للمطيعين ، فكيف صار للتوابين ؟! ، وخاصة مع ما يوحيه هذا التعبير من تكرر وقوع ما يوجب التوبة ، إذ التّواب هو كثير الرجوع عما ينبغي الرجوع عنه ..ومن هنا نجد حالات ( الطفرة ) في القرب عند بعض ذوي المعاصي ، الذين هجروا السيئات إلى الحسنات هجرة لا عودة فيها ..والتاريخ يروي قصص الكثيرين منهم ، مما يبعث الأمل في القلوب اليائسة .

الومضة رقم 119: طلب الكمال الأعلى
ورد في الدعاء بعد زيارة الإمام الهادي (ع): ** وصفني واصطفني ، وخلصني واستخلصني ، واصنعني واصطنعني **مشيرا إلى مرحلة الاصطفاء والاستخلاص والاصطناع ، وهي من المراحل ( العالية ) من مدارج التكامل التي منحت لأمثال موسى (ع) ..ولا ينافي ذلك أن يطلب العبد شيئا من هذه الدرجات العالية ولو بمستوياتها ( الدانية ) المتيسرة لغير المعصومين (ع) ..وإن من الملفت في هذا المجال ذكر الاصطفاء بعد الصفاء ، والاستخلاص بعد الخلاص أو الخلوص ، والاصطناع بعد الصنع .
الومضة رقم 120: الفزع إلى الصلاة
إن من الصور الجميلة للعبودية أن يفزع العبد إلى الصلاة المستحبة ، كلما ( دهمه ) أمر ، أو ( انتابته ) نائبة ، أو كلما أحس ( بميل ) للمثول بين يديه تبارك وتعال حبا لا طمعا ..بل قد يصل الأمر - عند من توغل في رتب العبودية - إلى درجة ( الالتذاذ ) الواقعي بخصوص الصلاة ، بحيث تذهله عن حوائجه التي ربما صلى من أجلها ، بل عن البيئة المحيطة به ، لما فيها من المعراجية التي تنقل العبد من مرحلة التثاقل إلى الأرض - بما فيها من اضطراب وتشويش - إلى الآفاق الواسعة ، التي لا يكدرها شئ من أكدار أهل الأرض .
الومضة رقم 121: المعصومون من شؤون الحق
إن النبي والأئمة المعصومين (ع) من شؤون الحق المتعال ، فالتوجه إليهم بالصلوات والزيارة والتوسل وغيره ، مدعاة للقرب من الحق لما فيه من التوقير لشأن من شؤونه تعالى ..فالأمر يعود إليه تبارك وتعالى - بدء وختاماً - من دون أن يكون في ذلك أيـّة صورة من صور الشرك الذي قد يظنه الجاهل ..فالعبد كلما زاد تعظيمه ( لشؤون ) الحق ، كلما زاد تعظيمه ( للحق ) نفسه ..ولهذا لا يتأذى الأب من زيادة تعظيم الآخرين لابنه ، إذا علم أن ذلك لبنوّتـه ، وفي طول التعظيم لنفسه ..وقد ورد عن الصادق (ع): ** إن لنا رباً يكلؤنا بالليل والنهار نعبده..قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين **البحار-ج25ص289..ومن الواضح أن المراد ( بقولوا ) ، هو القول الحق الذي لا يصطدم مع أي أصل من الأصول الثابتة .

الومضة رقم 122: منبهية البلاء
إن من الواضح أن بعض البلاءات ، فيها خاصية ( الـتّنبيه ) على الواقع المنحرف الذي يعيشه المؤمن ، كحالة عامة أو كذنب محدد ..فالمطلوب - قبل التبرم من البلاء والدعاء لرفعه - هو ( التفكير ) في الذنوب المحتملة التي أوجبت ذلك البلاء ، ومن ثم ( الاستغفار ) منها ، ولا يكون همّـه التخلص من ذلك البلاء طلبا للراحة فحسب ..وإن من المعلوم أن أثر الذنب قد يتجاوز الفرد ، من قساوة القلب إلى موت الفجأة وغيره ، ليشمل الطبيعة كمنع قطر السماء وجدب الأرض وإفساد الهواء ..وقد نصّت الروايات على سلسلة من الذنوب الموجبة لعقوبات مرتبطة بتلك الذنوب ، يحسن بالعبد مراجعتها ، ليحترز من موجبات العقوبة قبل التورط فيها .

الومضة رقم 123: قوام الإنسانية
إن قوام إنسانية الإنسان إنما هو بجهازي الفكر والقلب ، إذ بالأول ( يستحضر ) الصور ، ويرتب القضايا الموجبة للتصديق أو الإنكار ، وبالثاني ( يتوجّه ) ميلا أو نفورا تجاه الملائم والمنافر ..فلا بد من السائر إلى الحق أن يتحكم في هذين الجهازين ، وذلك بالذكر الكثير - إن لم يكن الغالب - فيستوعب أركان ( فكره ) ، وبالحب الشديد فيستوعب أركان ( قلبه ) ..ومن دون السيطرة على هذين الجهازين ، لا يكاد يستقيم له سير في هذه الحياة .

الومضة رقم 124: لوازم الهبات الروحية
طالما يتمنى العبد بعض الهبات الروحية المتميزة:كالانقطاع إلى الحق ، أو الحب المتيّـم ، أو بعض الكرامات المبذولة للسالكين ، ولايجد استجابة مع الإصرار الشديد على ما يريد ..والسبب في ذلك عدم قدرة العبد على الالتزام ( بلوازم ) هذه الحالات ، إذ أن الإعراض عن الحق بعد الإقبال الشديد ، يعرّض العبد لعقوبات قاسية ، كما هدد الحق به الحواريين ، عندما طلبوا كرامة المائدة السماوية فقال : ** فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين **، فتـزوى عن العبد هذه الدرجات رأفة به ، لعدم ( قابلية) العبد لتلقي تلك الدرجات العالية ، لا بخلا من جهة ( فيّاضية ) الرب .

الومضة رقم 125: الوحشة الشديدة
لو استشعر الإنسان حقيقة الوحدة التي يعيشها ، لانتابه شعور بالوحشة شديد ..فقد كان ( وحيداً ) قبل نفث الروح في الأبدان ، وسيكون ( وحيداً ) في برزخه إلى يوم يبعثون ، ويأتي ربه ( وحيداً ) كما خلقه أول مرة ، وهو ( وحيد ) في الدنيا في ساعات نومه وكثير من ساعات يقظته ..فتبقى الساعات التي يعاشر فيها الخلق ، وهي ساعة لقاء الأبدان بالأبدان بحواسها المادية ، فلم تمتزج الأرواح بالأرواح لترتفع الوحدة حقيقة ..وعليه فإن الوحدة لا ترتفع إلا عند الارتياح إلى مرّوح الأرواح ، إذ: ** بك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا **.
الومضة رقم 126: خلاّقية الحق
إن من الممكن تقريب كيفية تصريف الحق لعالم الوجود الواقع بين ( الكاف والنون ) ، وذلك بالنظر إلى قدرة الأذهان في ابتداع الصور العظيمة - كملء الوجود ذهباً - بمجرد الإرادة والتخيّل ..فإن هذه الإرادة الخلاّقة تتساوى عندها الصور العظيمة والحقيرة ..ومن هذا التشبيه أيضا علم أن الجزاء ( الاستحقاقي ) و ( التفضّلي ) من جهة القدرة عند الحق المتعال على حد سواء ..وبذلك يرتفع الاندهاش من الثواب العظيم على العمل القليل ، وذلك لانتفاء الكلفة والمؤونة - في كل صور الجزاء - عند الحق المتعال .

الومضة رقم 127: داعي الذكر الدائم
إن من دواعي الالتزام بالذكر الدائم أموراً ، الأول منها: هو الالتفات التفصيلي إلى ( مراقبة ) الحق لعبده دائما ، فكيف يحق للعبد الإعراض عمن لا يغفل عنه طرفة عين ؟! ..الثاني: وهو الالتفات إلى ( افتقار ) العبد الموجب للولع بذكر الحق تعالى استنـزالاً لرحمته ..الثالث:وهو الالتفات إلى عظمة ( الجزاء ) الذي وعد به الحق نفسه - ولا خُلْف لوعده - وذلك من خلال التدبر في قوله تعالى: ** اذكروني أذكركم **..فإن آثار ذكر الحق للعبد مما لايمكن إدراكه ، لاتساع دائرة تلك الآثار لتشمل الدنيا والآخرة بما ليس في الحسبان ، وقد ورد في الحديث القدسي كما ذكره الإمام الصادق (ع) بقوله: ** أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: إذا أطعت رضيت ، وإذا رضيت باركت ، وليس لبركتي نهاية ، وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ، ولعنتي تبلغ السابع من الوراء **البحار-ج14ص459..إذ كيف يحيط العبد - علماً - بكيفية ذكر الله تعالى له ، وهو المالك للأسباب جميعا ؟! .

الومضة رقم 128: الانقطاع بالنوم
إن النوم انقطاع عن الحق تعالى ، وذلك لانتفاء الذكر بكل صوره ، سواء بالقلب أو باللسان ، ولهذا يدع الرجل - كما روي - فقيراً يوم القيامة ..ولهذا لا يحسن النوم إلا عند الحاجة إليـه ، وبالمقدار الذي به قوام البدن ، كما لم يحسن التقلب في الفراش الذي هو حرمان لفوائد النوم واليقظة معا ..وقد سأل موسى (ع) ربه عن أبغض الخلق إليه ، فأوحى إليه: ** جيفة بالليل وبطال بالنهار **البحار-ج13ص354..ومن هنا كثرت الأدعية الواردة قبل النوم ، لتذكّر العبد بحقيقة أن هذه العملية الشبيهة ( بالموت ) ، إنما هي وسيلة لاستعادة ( نشاط ) الحياة من أجل عبودية أفضل .

الومضة رقم 129: الانبهار والتفاعل
تنتاب الإنسان حالة من الإعجاب عند رؤيته لمشاهد من دقة الصنع في الخلق ، وينتهي الأمر عند هذا الحد ، والمطلوب من العبد تجاوز حالة الانبهار الذهني من ( دقّـة ) المخلوق ، إلى حالة التفاعل النفسي مع ( عظمة ) الخالق ..هذا التفاعل بدوره يفيض على الإنسان حالة من ( الاطمئنان ) في حاضره ومستقبل أموره ، لما يرى من أن نواصي الخلق طراً بيد ذلك المدبر للكون المترامي الأطراف ..ومن ( الخشوع ) لما يرى من أن من يقف بين يديه ، هو صاحب هذا الملك الواسع المتقن .

الومضة رقم 130: تحريك إرادة الحق
قد يتعجب المؤمن من قضاء المولى لحـوائجه العـظام بطلب يسير منه ، يتمثل بدعاء قصير يتوجه به إليه - وقد يخلو من إصرار وتأكيد - والحال انه لاعجب في ذلك ، فيما لو التفت العبد إلى أن الدعاء وإن كان ( صادرا ) من العبد ، إلا أنه مؤثر في ( تحريك ) إرادة المولى لتحقيق حاجته ..ومن المعلوم أنه إذا تحركت إرادة المولى لتحقيق الحاجة ، فإنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ..فالعَجَب إنما هو في نسبة دعاء العبد إلى حاجته ، لا في نسبة إرادة المولى إلى مراده ، إذ يستحيل تخلف مراد الحق عن إرادته ، فهي مستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته .

الومضة رقم 131: البعد بعد الامتلاء
إن العبد يحس بحالة من ( البعد ) الواضح عن الحق عند ( امتلائه ) بالطعام والشراب ، فلا يكاد يجد إقبالا على الحق - في تلك الحالة - للتثاقل الطبعي الذي يسببه الامتلاء ..فقد روي أنه: ** ما ملأ إبن آدم وعاء شرا من جوفه **..أضف إلى أن العبد يحمل في جوفه ( أداة ) الجريمة ، وهو الزائد من الطعام ، الذي تصرف فيه بلا إذن من مالكه ، بل مع نهيه عنه ، إذ هو القائل: ** كلوا واشربوا ولا تسرفوا **، فكيف يستجاب دعاء عبد متلبس بأداة من أدوات الجريمة ، وإن عفا عنه من أجرم بحقه ؟!.

الومضة رقم 132: الفرص النادرة
لاشك في وجود بقاع مقدسة وأزمـنة مباركة يحب المولى أن يدعى فيها ..فعلى العبد أن ( يتحيّن ) تلك الفرص ، بمعرفة مناسبات الشهـور قبل قدومها ، وفضل البقاع قبل الذهاب إليها ، وذلك بمراجعة كتب الأدعية كمؤلفات السيد ابن طاووس (قده) وغيره ، فلطالما تفوت الفـرص النادرة والعبد في غفلة عنها ..ولعل الغفلة عن وظائف العبودية في تلك المناسبات من صور الخذلان ، وذلك لتراكم ( الذنوب ) من دون استغفار ، أو ( للإعراض ) الاختياري عن تلك المناسبات ..والحرمان من الأرباح العظيمة خسارة عظيمة ، لمن تعقّل حقيقة الربح والخسارة .

الومضة رقم 133: الطائع والتائب
قد ورد أن ( التائب ) من الذنب كمن لا ذنب له ، لكـن ذلك لا يعني المساواة في جميع الجهات لمن ( لم يذنب ) أصلا مع التعرض لمثيرات الذنوب ، وخاصة بعد طول مجاهـدة في عدم الوقوع في منـزلقاتها ..وعليه فـلابد من التفات العبد إلى أن بعض الدرجات ( التفضّلية ) ، قد يُحرمها العبد بعد ممارسة الذنب وان قبلت توبته .

الومضة رقم 134: ساعات القوة والضعف
قد يتعرض العبد للمغريات - في ساعة قوته - فيتجاوز المخـاطر بسلام ، فيظن أن تلك الاستقامة قوة ( ثابتة ) في نفسه ، وحالة مطردة في حياته ..وبالتالي قد ( يتهاون ) في ساعة ضعفه - التي يمر بها كل فرد - فيقترب من حدود الحرام ، واقـعا في شباك الشيطان الذي ينتقم منه ، ليصادر نجاحه الأول ..وقد ورد: ** إن من حام حول الحمى ، أوشك أن يقع فيه **.

الومضة رقم 135: عمدة الشهوات
إن عمدة الشهوات التي تكتنف الرجال - وخاصة في مقتبل العمر - هي شهوة النساء ، بل قد روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : ** ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة بلذة أكبر من لذة النساء **-الميزان ج3ص118..ومن هنا حدّد الشارع الحدود الصارمة في علاقته معهن ، بما يوجب السيطرة على الحواس الخمس ..فأمره بغض ( البصر ) ، ومنعه من التلذذ ( بالسمع ) والقول ، ومن ( المصافحة ) والخلوة ، ومن ( الجلوس ) في موضع يحس بحرارة بدنها وغير ذلك من القيود ..ومجمل مذاق الشارع - في هذا المجال - يفهم من قوله تعالى: ** وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب **و{ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض **و{ يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين **و{ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم **و{ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى **..وعليه فلا يحتاج العبد في الفتن المستحدثة إلى نص بالخصوص ، بعد إطلاعه على التوجه العام المفهوم من النصوص السابقة .
الومضة رقم 136: ساعات الذهول
إن من أصعب الساعات التي تمر على المرء ، هي تلك الساعة التي لا يجد عندها - في نفسه - خيرا ولا شرا ..بل يجدها في حالة من الشرود والذهول ، مما يجعل الساعات تمـر على العبد ، من دون أن يحصد فيها خيرا لدنياه أو لآخرته ..فمن الجـدير بالعبد تجنب هذه الساعات بتجنب مناشـئها ومنها : ( اللاّهدفية ) في الحياة ، و( الانشغال ) المستغرق بلهو القول والفعل ، وعدم حمل ( طموحات ) كبرى في الحياة ، و( انتفاء ) النظم في أمر المعيشة والمعاد ..فالواجب على العاقل هو الخروج من هذا العبث الهادر للعمر ، وذلك ( بالتفكير ) في محدودية عمر الإنسان ، وعدم قبول دعوته للرجوع إلى الدنيا لتدارك الفائت بالعمل الصالح ، و( استحضار ) المعـيّة الإلهية المتحققة من جانب الرب تعالى - وان لم يستحضرها العبد - وهي التي تدعوه إلى الانشغال بما يرضي الحق في كل مرحلة من مراحل حياته ، توقيراً لتلك المعية المستلزمة للمراقبة الدقيقة .

الومضة رقم 137: المتفرج على الأحداث
يصل العبد - بعد اجتياز مرحلة التفويض ، وايكال الأمر لمدبر الأمور - إلى درجة يرى نفسه فيها ( كالمتفرّج ) لسير الأحداث المرسومة بيد الحكيم ..فلا يهش فرحا للمفرح منها ، كما لا يأسى على المحزن منها ، وذلك لأنه لا يرى نفسه معنيّا بالأمر اكثر مما أمر به ، فهو يسعى بما هو لازم فعل العبد وهو ( التدبير ) ، ويوكل الأمر بعد ذلك إلى ما هو لازم فعل المولى وهو ( التقدير ) ، والعبد يريد والمولى يريد ، ولا يكون إلا ما يريده المولى ..وأين رتبة التدبير من رتبة التقدير ؟! ، فالأولى في رتبة الأسباب ، والثانية في رتبة الأسباب والنتائج معا ..ومن المعلوم أن هذا الإحساس لو تعمّق في نفس العبد ، لأوجب له شعورا بالرضا و ( الاطمئنان ) في أشد المراحل تقلبا ..ومن هنا كلما اشتد البلاء على سيد الشهداء (ع) ، كلما اشرق لونه -كما ورد في المقاتل - لأنه يرى صنع الله تعالى فيه وفي أهل بيته ، وهو لا يكون إلا جميلا ، كما صرحت به أخته (ع) في مجلس الطاغية .

الومضة رقم 138: الذاكر الغافل
إن مَثَل الذاكر بلسانه مع عدم مواطأة قلبه للذكر باللسان ،كمَثَل من ( يتظاهر ) بالإصغاء إلى جليسه وهو ( شارد ) عنه ، فلو اطلع الجليس على شروده لأعرض عنه ، بل لعاقبه على سوء أدبه معه ..فهذا الذاكر بلسانه يجعل نفسه في موضع المتحدث مع الحق ، فلو أعرض بقلبه لكان عمله نوع استهتار و نفاق يستحق معه العتاب ..وعليه لو أثاب المولى - المطلع على الضمائر - عبده على هذا الذكر المقترن بالشرود والذهول ، لعُدّ ذلك ( تفضّلا ) منه وكرما ، يستحق عليه الشكر المشوب بالخجل ، لعدم قيام العبد بحق العبودية كما يليق بوجهه الكريم ..وقد وصف أمير المؤمنين (ع) الملائكة - على مكانتهم من الحق وكثرة طاعتهم له - بقوله: ** لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك ، لحقّـروا أعمالهم..ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ، ولم يطيعوك حق طاعتك **البحار-ج7ص200 .

الومضة رقم 139: لكل ساعة تكليفها
إن للعبد تكليفه ( المستقل ) تجاه مولاه في كل يوم و ليلة من حياته ، ومن هنا أحتسب لكل يوم وليلة ربحه وخسارته ، مفصولا عما قبله من الليالي والأيام ..وبذلك لا ( يجبر ) خسارة اليوم الحاضر ( بربح ) اليوم الذي سبقه أو يليه ، وتوفيق العبد في يومه ، لا يوجب له الاسترخاء فيما يليه من الأيام ، تعويلا على كسب ذلك اليوم ، كما نلحظه كثيرا بعد مواسم الطاعة كالحج أو شهر رمضان المبارك ، فيركن العبد إلى ما وُفّق له في تلك المواسم ، والحال أنه مكلف - بعد الموسم - بتكليف جديد ..وعليه فلابد أن يكون العبد حريصا على قطف ثمار اليوم الذي لا يعود إليه أبداً .
الومضة رقم 140: استيلاء شهوة البطن
إن عملية الأكل - في حد نفسها - مظهر لإحدى الشهوات المودعة في وجود الإنسان ، شأنها شأن باقي الشهوات التي أودعت لحكمة في وجوده ..ولكن العبد يذهل - خلالها بل قبلها وبعدها - عن القيام بوظائف العبودية من المستحبات المأثورة في هذا المجال ، وذلك لاستيلاء هذه الشهوة على وجوده عند تلـبّسه بتلك الشهوة ..فترى المجتمعين على الطعام بنهم وحرص - بداعي الشهوة المحضة - كالأكَلَة على فريستها ، وهكذا الأمر في الشهوات الأخرى ..ولعل الحكمة في الآداب الواردة - عند ممارسة شهوة البطن والفرج - هي التخفيف من ( استيلاء ) هذه الشهوة على صاحبها ، وتذكيره بالمالك على الإطلاق الموجب لاتزان العبد في حركته ، حتى في مجال استيفائه للشهوات التي أبيحت له ، بشرط عدم ( الاسترسال ) المذهل عن حق العبودية .
الومضة رقم 141: عدم الميل للحرام
إن من الاختبارات الدقيقة الكاشفة عن درجة عبودية العبد ، هو عدم ( ميله ) للحرام فضلا عن عدم ( ارتكابه ) له ..فإرادته حبّـا وبغضا تابعة لميل المولى وإرادته ، وهذا هو السر في كرامة يوسف الصديق (ع) على الله تعالى ، إذ كان السجن أحب إليه مما يدعونه إليه ..وهذه هي المنحة التي يمنحها الحق لعبده بعد مرحلة متقدمة من المجاهدة في العبودية ، إذ يحبّب إليه الإيمان ، ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان ..فعندها تخـفّ معاناة العبد في رفضه للشهوات ، ليتفرّغ لمراحل أعلى في القرب ، يغلب عليه ( التلذذ ) بدلا من المعاناة ، و( العطاء ) من الحق ، بدلا من الحرمان من النفس .

الومضة رقم 142: مراحل الاستيلاء
إن للشيطان مراحل في الاستيلاء على ممـلكة الإنسان ، الأولى: وهي مرحلة ( الدعوة ) المجردة ، نفـثا في الصدور ، وتحريكا للشهوات من خلال أعوانه ، وقد قال تعالى: ** وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي **..فإذا رأى تكررا في الاستجابة ، انتقل إلى المرحلة الثانية: وهي مرحلة ( الولاية ) ، وقد قال سبحانه: ** أولياؤهم الطاغوت**..وأخيراً يصـل الأمر إلى حيث يفقد العبد سيطرته على نفسه في المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ( التحكّم ) المطلق ، إذ{ يتخبطه الشيطان من المس **.
الومضة رقم 143: القرب بالمصيبة والمراقبة
إن سرعة الوصول إلى الدرجات العالية من التكامل ، يتحقق غالبا إما: بالوقوع في ( المصائب ) - ولو في برهة من الزمن - واما ( بالمراقبة ) الشديدة للحق ..والسبب في ذلك أن العبد لا يستغني عن مدد المولى في كل مراحل سيره ، هذا المدد المتمثل بالرحمة الإلهية تأتي لذوي المصائب ، كما يشعر به قوله تعالى: ** أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة **..كما تأتي لذوي الذكر الدائم ، كما يشعر به قوله تعالى: ** اذكروني أذكركم **..ومما ذكر يعلم خطورة موقف ( الغافل ) و ( المعافى ) من البلاء ، فهو أبعد ما يكون من هذه ( الرحمة ) بشقّيها .

الومضة رقم 144: الإجراء غير القبول
إن العناوين التي منحها الشارع للصلاة: كالمعراج ، وعمود الدين ، وقربان كل تقي ، لا تنسجم مع واقع صلواتنا - بما فيها من تشاغل عن الحق - إذ أن المأتيّ به لا يسانخ المأمور به أبدا ..ومن هنا لو أتى العبد بكل مقومات ( الإجراء ) الظاهري من دون تحقيق شيء من تلك العناوين ، لعلم أنه لم يحقق ( المراد ) الواقعي للشارع ، والذي ( تكشف ) عنه العناوين المذكورة ..وعليه فقد يواجه العبد ربه يوم القيامة ، ولم يمتثل له أمرا واحدا بالصلاة كما أرادها الحق منه ، على شدة تأكيده له .
الومضة رقم 145: علاقة المولوية والحب
إن العلاقة الأولية للعبد مع ربه - وان كان يغلب عليها - علاقة ( المولوّية ) القائمة على الأمر والامتثال ، إلا أنها قد ( تترقى ) بعد اجتياز مرحلة التعبد المحض إلى ما هي أرق من تلك العلاقة ، فيضاف إلى هذه العلاقة علاقة ( الأنس ) والمجالسة: ** يا خير من خلا به جليس **، والجوار: ** يا جاري اللصيق **، والرفقة: ** يا شفيق يا رفيق **، والخـلّة: ** واتخذ الله إبراهيم خليلا **، والحب الشديد: ** والذين آمنوا أشد حبا لله**..فإذا كانت علاقة الحق معهم - كذلك - في هذه الحياة الدنيا ، فكيف تتجلى تلك العلاقة في معاملة الحق معهم يوم العرض الأكبر ، إذ يكشف الغطاء ويرفع الحجاب بين العبد وربه ؟! .

الومضة رقم 146: الأنس تبعا للحق
إن الأنس بالزمان ، أو المكان ، أو الأشخاص ، أو البلاد ، ينبغي أن يكون مرتبطا بمدى تأثير تلك الأمور في قرب العبد من الحق ..فكل عنصر يؤثر تأثيرا إيجابيا في تقريب العبد إلى ربه ، لهو عنصر ( محبوب ) في واقعه ، وإن استثقله العبد بحسب ميله الذي لا صلة له بالواقع ..ومن هنا قال سبحانه: ** وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم **، فخير ( البلاد ) ليس ما استوطنه العبد وإنما ما أعان على الطاعة ، وخير ( الأشخاص ) ليس هو الصديق وإنما من يذّكر بالله رؤيته ، وخير ( الأزمان ) ليس هو ساعة التلذذ وإنما ما وقع فيها من طاعة ..إن تحكيم هذا الملاك يغيّر كثيرا من الرغبات داخل النفس ، ومن التصرفات خارجها ، لتغيّر المنطلقات التي ينطلق منها العبد ، في تعامله مع الفرد والزمان والمكان .

الومضة رقم 147: الوحشة من أولياء الشيطان
لو اعتقد العبد - يقينا - بإحاطة الشياطين ( لقلوب ) الذين يتولونه ، و( لأماكن ) المعصية ، لاشتد وحشته من هؤلاء الأشخاص ولو كانوا اقرب الناس إليه ، ومن الأماكن ولو كانت آلف البلاد لديه ، لعلمه أن الاقتراب من تلك الأماكن والقلوب ، إنما هو دخول في حيّـز مرمى الشياطين ..ومن هنا يُعـلم حذر أهل اللب من أبناء زمانهم ، لأنهم لا ينظرون إلى ( ذواتهم ) المجردة ، وإنما إلى من ( يسوقهم ) في حركاتهم وسكناتهم ، من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء .
الومضة رقم 148: معاملة الوصاية لا السيادة
ينـبغي أن تكون معاملة الأب مع أبنائه معامـلة ( الوصيّ ) مع الموصى عليهم ، لا معاملة ( السّـيد ) مع عبيده ..فارتباط البنوّة منشأه ظرفية الأم لنمو الجنين المنعقد من نطفة الأب ..وأين نسبة علقة ( الظرفـيةّ ) - وان عظّم الشارع حرمتها خصوصا في الأم - من علـقة ( الإيجاد ) المختص بالمبدع المتعال ؟!..فالمتصرف في شؤون الخلق بدء وختماً ، هو صاحب الولاية على المخلوقين ، فينبغي على العبد العمل بمقتـضى رضا المالك ، حتى مع تـفويض الولاية المحـدودة إليه - في هذه النشأة الدنيا - و ذلك ضمن شروط محددة أيضاً .

الومضة رقم 149: كتمان الغضب
إن الغضب من الصفات المتأصلة في النفس ... والسبب في ذلك ان الإنسان موجود ناطق ذو شعور ، لا يرضى بكثير من الاقول والافعال ، فيكون من الطبيعي انقداح حالة في النفس ، فليس الحل هو( منع ) تحقق هذه الحالة في النفس ، اذ انها قهرية مترتبة على مواجهة النفس لما ينافر طبعها .. وانما الحل هو عدم ( تسرية ) هذه الحالة الى الخارج ، وهو ما يعبر عنه بكظم الغيظ ، فليست المشكلة في اصل وجود الغضب وانما في عدم كظمه ، وقد روي : ** ان من كظم غيظا ، ملأ الله جوفه إيماناً ** البحار -ج69ص382 .. وليعلم ان اصل الغضب قد يكون ما يبرره شرعاً ، ولكن المشكلة في الدواعي وراء ذلك ، فقد لا يكون الداعي إلهيا ، بل يكون هو ( التشفي ) كما يحصل مع من ينبغي تأديبه كالأطفال ، وان كان النأديب حقاً .. وقد يكون الداعي إلهيا الا ان صاحبه قد (يتجاوز) حدوده الشرعية ، فيغضب اكثر مما غضب الله تعالى لنفسه .. وليعلم ايضا ان (المستعجل ) في انفاذ غضبه كالمستعجل في كسر جرة لا يمكن جبرها بعد كسرها ، بخلاف المتأني في انفاذه ، فان بامكانه كسر الجرة متى شاء ، كما ان بأمكانه العدول عن قرار كسره .

الومضة رقم 150: الضيق المجهول
قد تنتاب الانسان حالة من الضيق المفاجئ، ولا يعلم لذلك سببا واضحا .. فالامر قد يكون بدواعي ( طبعية ) كالمرض والارهاق وغيره ، وقد يكون بسبب ( ارتباط ) الارواح المؤمنة ، فينعكس على الارواح المتجانسة بمقتضى وحدة الجسد الايماني .. ولا شك ان لتأثر (قلب ) عالم الوجود - صاحب العصر(ع) -تأثيرا بالغا في تأثر قلوب المحبين ، وهو ما نلحظه بشكل واضح قبيل غروب الجمعة ،لارتباط ذلط اليوم بوجوده الشريف .. فانقضاء ذلك اليوم المتوقع فيه الظهور من دون فرج ، مما يعكس الحزن والكآبة التي قد تمتد آثارها حتى عالم الطبيعة .


 

قديم 02-16-2013, 04:56 AM   #4
أسطورة العشق الإلهي..


الصورة الرمزية رقية حسين
رقية حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 العمر : 24
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم :  346
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
لوني المفضل : Indigo

اوسمتي

افتراضي



الومضة رقم 152: مَظهرية المعصوم لصفات الحق
روي عن الإمام الصادق (ع) في ذيل قوله تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم **: ( إن الله لا يأسف كأسفنا ، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون مدَّبرون )الميزان-ج18ص118 ..فالمستفاد من هذا الحديث وغيره من الأحاديث في هذا المجال ، أن المعصوم (ع) مظهر لحالة الرضا والغضب وغير ذلك من الصفات المنتسبة إلى الرب المتعال ، رغم أنه مخلوق مدبَّـر كما في الحديث الشريف ..ومن هنا تتأكد أهمية نيل رضا صاحب الأمر (ع) - وهو الإمام لأهل هذا الزمان - لأن رضاه ( كاشف ) عن رضا الرب بل ( ملازم ) له ..وقد وردت عبارة بليغة في زيارة الحسين (ع) التي أوصى بها الإمام الصادق (ع) وهى: ** إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم ، وتصدر من بيوتكم **البحار-ج101ص151.
الومضة رقم 153: المعرفة الإكتسابية والإشراقية
إن العلم بموقع الأئمة (ع) من ( الحق ) وموقعهم في ( الخلق ) ، يتحقق بمراجعة الأحاديث الواردة منهم كالزيارة الجامعة وغيرها من روافد المعرفة ( الإكتسابية ) ..إلا أن هناك طريقاً آخر للمعرفة يتمثل بالمعرفة ( الإشراقية ) التي تمنح للسائرين في طريق تقوى الله تعالى والتوسل بأوليائه (ع) ..ومن هنا نرى النماذج المتميزة من أصحابهم الذين تفانوا في حبهم ، كعابس بن شبيب الذي صاح قائلا: حب الحسين أجنّـني ، ممن لم يملك المعرفة النظرية المستقاة من الكتب ، بالشكل الذي قد نطلع نحن عليه ، من خلال انتشار تراثـهم في هذه العصور .
الومضة رقم 154: الأنوار المحدقة بالعرش
ينبغي استذكار حالة ( المـنّة ) الإلهية لأهل الأرض ، وذلك ( بإهباط ) الأنوار المحدقة بعرشه إلى أرضه ..ومن المعلوم أن هذه الأنوار المستمتعة بجوار الرب ، عانت الكثير من أهل الأرض قتلا وسبيا وتشريدا ، حتى أن النبي (ص) يصف نفسه بأنه لم يؤذ أحد مثلما أوذي ..هذا الإحساس يُشعِر صاحبه بالخجل وبالشكر المتواصل ، عندما يقف أمامهم زائرا من قرب أو متوسلا من بعد ..وهذه هي إحدى الروافد التي أعطتهم هذا القرب المتميز من الحق ، لأن ذلك كله كان بأمره وفي سبيل رضاه .
الومضة رقم 155: مأساة الحسين (ع)
إن لمأساة الحسين (ع) وقعاً متميزاً ، سواء في حياة الأنبياء السلف ، أو بالنسبة إلى خاتم الأنبياء وذريته ..ومقارنة إجمالية بين حالة الإمام (ع) في يوم عرفة ( بدعائه ) المتميز ، وبين حالته في يوم عاشوراء ( بأحداثه ) الثقيلة ، تبين شيئا من عظمة الكارثة ، وكيف أنه عزّ على رب العالمين ، أن يعامل أعرف أهل زمانه بالله عز وجل ، هذه المعاملة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً !..ومن هنا كان ( الارتباط ) به من خلال إحياء ذكره ، والتأثر بمصابه ، من أعظم سبل ( نيـل ) رضا الرب بما لا يخطر على العقول ، إذ أن عظمة المأساة مما لم تخطر على الأذهان .
الومضة رقم 156: مبدأ التعويض
إن مبدأ التعويض سار حتى في معاملة الحق للمعصومين (ع) ..فقد عُوّض الحسين (ع) بقتله: أن جُعل الشفاء في تربته ، والإجابة تحت قبته ، والأئمة من نسله ..ومن المعلوم أن الاعتقاد بمبدأ التعويض يخفف على العبد معاناة فقدان بعض النعم ..ولا شك أن عظمة التعويض متناسبة مع شدة البلاء ، فالمتيقّن بمبدأ ( التعويض ) من الحكيم القدير ، تطيب نفسه ( بسلب ) المعوّض ما دام العوض عظيما .
الومضة رقم 157: انتظار الفرج
إن انتظار الفرج حقيقة ، يلازم الاستعداد النفسي للمشاركة في بسط العدل الشامل عند ظهور الفرج ..وإلا تحوّل الأمر إلى مجرد ( أمنية ) في نفس صاحبها - قد يؤجر عليها - ولكنه لايعد ( منتظراً ) ، كما هو الحال في انتظار الضيف الذي له متطلباته ..فالإنسان يتمنى قدوم الضيف منذ برهة ولا يسمى منتظراً له ، إلا - قبيل قدومه - عند توفير تلك المتطلبات ..هذه الحالة تعكسها الفقرة التالية من زيارته (ع): ** فلو تطاولت الدهور وتمادت الأعصار ،لم أزدد فيك إلا يقينا ولك إلا حبا..فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك..فها أنا ذا عبدك المتصرف بين أمرك ونهيك **0
الومضة رقم 158: سلب المحبة
لاشك في أن محبة أهل البيت (ع) وولايتهم من ذرائع النجاة ..وهي قيمة مستقلة في حد نفسها وان لم تقترن بالعمل ، خلافا لمن لا يراها إلا ضمن العمل ..ولكن تراكم الذنوب - وخاصة الكبيرة منها - قد يسلب المحب هذه الجوهرة ، كما حصل للبعض طول التأريخ كالشلمغاني في زمان الغيبة ، الذي خرج التوقيع من الناحية المقدسة بلعنه والبراءة منه وممن يتولاه ورضي بقوله ..ويمكن استفادة هذه الحقيقة من قوله تعالى: ** ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءا أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون **..فالسوء من مقولة ( الفعل ) ، والتكذيب يعود إلى الموقف ( الإعتقادي ) والنفسي لهؤلاء المكذبين .
الومضة رقم 159: حقيقة الزيارة
إن زيارة المعصوم (ع) تعني - حقيقة - وجدان الزائر نفسه بين يدي المزور ..فيراعي أدب المكان ، ويستحضر حالة الخطاب ، كما لو كان مع الحي بمقتضى القول: ** أشهد أنك تسمع كلامي ، وترد سلامي **..ولو خليت الزيارة من هذه الحقائق ، لكانت الزيارة زيارة ( البدن لحرم المعصوم ) ، لازيارة ( المحب لنفس المعصوم ) ، ومن المعلوم أن الآثار الكاملة للزيارة مترتبة على الثاني دون الأول ..وهذا هو السر في أن زيارات المعصومين (ع) لا تستتبع تحوّلاً جوهرياً في سلوك العبد ، وذلك لانتفاء المواجهة المتفاعلة وإن حصل الأجر الأخروي .
الومضة رقم 160: إشراف المعصوم
إن استشراف المعصومين (ع) لعالم الشهود - مع كونهم في عالم الغيب - مما لا ينكر عقلا ونصا ..فالأول ( بمقتضى ) حياتهم المستمرة بعد الممات الظاهري ، مع الاحتفاظ بجميع ملكاتهم ، ومنها مظهريتهم لوصف الرب المتعال ..واما الثاني ( فكالنص ) الصحيح الوارد في المنع عن الجمع بين فاطميتين ، معللا بأن ذلك يبلغ الزهراء (ع) فيشق عليها ذلك ثم يحلف الإمام (ع) بقوله : إي والله ، عند تعجب الراوي ( البحار-ج104ص27 ) ..فلو تحقق مثل هذا الإشراف - من قِبَـلهم - بالنسبة إلى أحد من أوليائهم ، لكان ذلك بمثابة ( تبـنّي ) اليتيم الذي لو ترك وشأنه ، لهوى مع الهاوين ..وقد ورد عنهم ما يؤيد هذا المعنى بشقّيه: ** إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالـزم طريقتنا ، فإنه من لزمنا لزمناه ، ومن فارقنا فارقناه **البحار-ج2ص115 .
الومضة رقم 161: توقير الذرية
إن ذرية الرسول (ص) هم التركة المحسوسة والحيّة فينا ..ومن هنا كان توقيرهم توقيرا لأجدادهم ، وهو ما يستفاد من الأخبار والتزام السلف الصالح به ..وهذه السنة أيضا مطابقة للفطرة وسنة الأمم ، إذ المرء يحفظ في ولده ، وهذا ( التوقير ) من السبل المهمة لجلب ( عنايتهم ) ، كما تشهد به الحوادث الكثيرة على مر العصور .
الومضة رقم 162: آثار الأولياء
إن وجود البركة والتأثير في الآثار المنتسبة إلى أولياء الله تعالى ، مما يؤكده القرآن الكريم أيضاً ، إضافة للسنة والواقع المشهود في حياة الأمم السابقة ..فقد ارتد يعقوب (ع) بصيرا عندما ألقى البشير ( القميص ) على وجهه ..وقد جعل السكينة في التابوت وهو ( الصندوق ) الذي وضع فيه موسى (ع) عند إلقائه في النيل ، ولشرافته حملته الملائكة ، وقد قال الحق تعالى: ** ياتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة **.. بل أن السامري أخذ ( قبضة ) من أثر الرسول ، فكان له من الأثر ما كان ..فما المانع من شرافة القبور التي تضم أجداث خواص خلق الله سبحانه ؟! ، بل إن البركة فيها أوضح ، إذ التابوت حوى بدن نبي - لفترة قصيرة - وهو رضيع لم يبلغ الحلم ، خلافا لمضاجعهم الطاهرة التي صارت مختلفاً للملائكة صعودا وعروجاً كما تشهد به النصوص ، ومركزاً للكرامات الباهرة كما تشهد به الوقائع جيلا بعد جيل .
الومضة رقم 163: إهداء الأعمال للمعصومين
إن من الأمور المناسبة هو الالتزام بإهداء بعض الأعمال للمعصومين (ع) ، فإنه محاولة للقيام بشيء من حقوقهم ، ولاشك في أنهم يردّون ( الهـدية ) بأضعافها كردّهم ( الّسّلام ) بأحسن منها ، كما هو مقتضى كرمهم الذي عرف عنهم ..وخاصة إذا قلنا بانتفاعهم بأعمالنا ، كما قيل في أن الصلاة على النبي وآله يوجب رفع درجاتهم ، بمقتضى الدعاء برفع درجتهم في التشهد وغيره ، وإلا كان الدعاء لغواً .
الومضة رقم 164: الإرادة الطولية
إذا اعتقدنا أن ( إرادة ) الأئمة للشفاعة وللخارق من الأمور ، إنما هي في ( طول ) إرادة الله تعالى وبإذن منه ، فلا تبقى أيّـة غرابة فيما روى عنهم ، أو رؤى منهم من أنواع الكرامة ..فالقرآن تارة يسند قبض الأرواح - وهو من مهام الأمور - إلى ( الحق ) نفسه ، فيقول تعالى: ** الله يتوفى الأنفس حين موتها **..وتارة إلى ( مَلَك ) الموت فيقول : ** قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم **..ومن المعلوم أنه كلما تعاظم قدر الوكيل ، كلما تعاظم قدر الموكِّل نفسه .
الومضة رقم 165: طلب الحقائق
يغلب على طلبنا من المعصومين (ع) الجانب المادي: من شفاء مرض ، أو أداء دَين ، أو ما شابه ذلك ..إذ قلما نتوجه إليهم بطلب ( المعارف ) والحقائق فيما يتعلق بمعرفة الرب المتعال وسبل الوصول إليه ، والحال انهم ( أميل ) لقضاء مثل هذه الحوائج التي بعثوا من أجلها ، ولا شك في صلاحها للعبد ..وقصص السلف الصالح يكشف عن نماذج مذهلة ممن اغترف من فيض جودهم ، ففتحت لهم أبواب واسعة من المعارف الحقة ، والآيات البيّنة التي جعلتهم يعيشون على نور من ربهم في هذه النشأة ، ليمتد أثره حتى بعد انتقالهم من هذه النشأة الدنيا ، بل ليسعى بين أيديهم في النشأة الآخرة .
الومضة رقم 166: شكر نعمة الولاية
يتوجب على الذين شُـرّفوا بشرف الولاية لأئمة الحق (ع) ، أن يبالغوا في شكر هذه النعمة ، لأنهم خُصّصوا ( بأشرف ) الأديان و ( بالمذهب ) القويم ..وهذه نعمة خالدة لا تعادلها نعمة في عالم الوجود ، لخلود هذه النعمة و فناء النعم الأخرى ..وأفضل أنواع الشكر هو ( الإتّـباع ) ، مصداقا لقوله تعالى: ** إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله **، و( العمل ) لقوله تعالى: ** اعملوا آل داوود شكرا **.
الومضة رقم 167: أحاديث الرجعة
إن أحاديث الرجعة على - كثرتها - مطابقة لمقتضى الحكمة الإلهية ..فإن من اللطف أن يحقق المولى لوليه آماله التي لم يحققها في حياته ، وخاصة مع ملاحظة قصر حياة بعضهم كالأئمة من نسل الإمام الرضا (ع) ، إذ لم يدع ولاة الجور فرصة لأداء رسالتهم كما أرادوه ، فكأنهم أرسلوا إلى هذه الحياة لمهمة لم تكتمل ، نظراً للظروف التي اكتنفتهم من ظلم الحكام وإعراض الخلق عنهم ، فيكون من الطبيعي إعطاؤهم فرصة أخرى لاستكمال تلك المهمة ، بعد اكتمال قابليّـات الخلق - بلوغا علميا وعمليا - وذلك عند قيام قائمهم (ع) ، الذي يضع يده على رؤوس العباد ، فيجمع بها عقولهم ، ويكمل به أحلامهم .
الومضة رقم 168: الاستئناس بكلمات المعصومين
ينبغي لحملة لواء الإرشاد في كل عصر الاستئناس بكلمات المعصومين (ع) المتطرّقـة لمختلف حقول الحكمة ..فإن الأنس بالنصوص يشكل حاجزا - ببركتهم - من ( الاجتهادات ) المنحرفة ، أو ( المشارب ) الباطلة ، أو ( التقوّل ) في الدين بمالم يقم عليه برهان ..أضف إلى أن الغور المتواصل في أحاديثهم ، يفتح أبواب الحـكمة الأخرى لتجري من القلب على اللسان ، كما يهب صاحبها ( حسّـا ) خاصا في تمييز مالم يصح عنهم .
الومضة رقم 169: الدعوة بالحجج البالغة
من السبل الكبرى لجلب عناياتهم عليهم السلام ، هو ( التصدي ) للدعوة إلى سبيلهم في أي موقع كان صاحبه - وان لم يكن في زي أهل الدعوة والتبليغ - وذلك بذكر محاسن كلماتهم ، واختيار الحجج الواضحة - وما أكثرها - في إثبات عقائدهم المستقاة من نمير الوحي ، والدعوة إلى التمسك بهديهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وخاصة عند ذوي القلوب ( المستعدة ) ..وخاصة أن هناك طبقة من الخلق لا يصل إليها رجال الدين ، فلزم وجود ( الوسيط ) بينهم وبين هذه الطبقة ، إذ بهم تكتمل مهمة دعاة الحق والخير ..وقد خاطب النبي (ص) عليا (ع) بقوله: ** لئن يهدي الله على يديك عبداً من عباد الله ، خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس من مشارقها إلى مغاربها **البحار-ج1ص215.
الومضة رقم 170: إعجاز استمرار خط أهل البيت
إن المتأمل المنصف في التأريخ ، لا يمكن أن يصف توالي الأئمة من دون ( انقطاع ) في البين و بهذا ( التجانس ) في الأقوال والأفعال من باب الاتفاق ..فنرى الأول ينص على الآخر وحديث الآخر يسانخ حديث الأول ، وذلك خلال قرنين ونصف ، على ما فيه من تغيير للحكام والثقافات والـُبنى الاجتماعية ، حتى لانكاد نميز الإمام القائل لما روي عنه لو تعمدنا عدم ذكره ، وذلك لوحدة النهج الإلهي الذي ساروا عليه جميعاً ..فكيف إذا أضفنا إلى ذلك ، خبر الصادق المصدق (ص) الذي بشّر باثني عشر خليفة كلهم من قريش ، كما رواه البخاري وذكره مسلم في كتاب الإمارة عن جابر بن سمرة إذ قال : ** سمعت رسول الله يقول : لايزال الإسلام عزيزا إلى إثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ..فقلت لأبي ما قال ؟ ، فقال : كلهم من قريش ** .
الومضة رقم 171: آجال الأمم
كثيرا ما تنتاب الإنسان حالة من القلق لما تجري في الأمة من النكبات توصله إلى حد اليأس ..والحال أن الحق المتعال كما خلق الأرض وقدّر فيها ( أقواتها ) من الأرزاق ، كذلك قدّر فيها ( مقدراتها ) من الآجال المكتوبة للأمم غير المكتوبة للأفراد ، وقد ورد في الخبر: ** إذا أراد الله أمراً سلب العباد عقولهم ، فأنفذ أمره وتمت أرادته ، فإذا نفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله ، فيقول كيف ذا ومن أين ذا ؟! **البحار-ج78ص335..وأحاديث عرض الأعمال على ولي كل عصر - في ليالي القدر وغيرها - تدل على أن الأحداث الصغيرة والكبيرة تجري على مسمع من أذن الله الواعية ، ومرأى من عين الله الناظرة ..وعليه فالمطلوب من العبد أن يقدم الشكوى إلى أولياء الأمر دائماً ، فهم ( المعنيّون ) بمقدرات هذه الأمة قبل غيرهم ، مصداقا للدعاء: ** اللهم اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة بحضوره **..إذ أن الغمة التي بليت بها الأمة إنما هي من آثار الغيبة ، فكان من الطبيعي انكشاف تلك الغمة الموحشة ، بالحضور المبارك الرافع لتلك الغمة .
الومضة رقم 172: الحصانة الإلهية
قد يتعمد الحق رفع ( الحصانة ) عن عبده في بعض الحالات ، فيقع فيما ( يستغرب ) من صدوره من مثله من الأعمال التي لا تليق به ..ولعل في ذلك لفت نظر إلى ( ضعفه ) أولاً ، ودعوة له ( للاستجارة ) بالحق في كل أحواله ثانياً ..ويتجلّى فضله العظيم من خلال التدبر في قوله تعالى: ** ولولا فضل الله عليكم ورحمته لأتبعتم الشيطان إلا قليلا **و{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين **و{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا **.
الومضة رقم 173: الخطورات القبيحة
قد يتألم العبد من بعض الخطورات القبيحة ( أثناء ) الصلاة ، ولا ضير في ذلك بشرط عدم ( متابعة ) تلك الصور ..فمَثَله كمثل الجالس بين يدي السلطان ، وأعداؤه يمرون بين يديه ، فما دام مشغولا بمحادثة السلطان فلا يعد ذلك المرور العابر إخلالاً بأدب الحضور ، بل قد ( يتعمّد ) السلطان الجلوس في مثل ذلك الموقع لاختبار جليسه ، ومدى إقباله عليه مع وجود الصوارف ..وهذا بخلاف ما لو استرسل معهم وتابعهم بنظراته ، فضلا عما إذا تحدث معهم بما لا يرضى منه السلطان ! .
الومضة رقم 174: مجاهدة الجنس لا الفرد
إن الميل إلى النساء من الشهوات المتأصلة في طينة العباد ،كما يشير إليه قوله تعالى في مقدم الشهوات الأخرى: ** زين للناس حب الشهوات من النساء **، فكيف إذا تدخل الشيطان في تزيينها للعبد بمقتضى تهديده في قوله تعالى: ** لأزينن لهم في الأرض **..وهي بحق على رأس شهوات الدنيا ، لأنه التذاذ بذي شعور خلافا لشهوة البطن المتعلقة بالمأكول الذي لا حياة فيه ..وعليه فليس الحل الأساسي هو مجاهدة كل ( فرد ) من أفرادهن عند الابتلاء بهن ، بل السعي لامتلاك حالة من التعالي على ( جنس ) النساء بكل أفراد ذلك الجنس ، خرج من ذلك خصوص الفرد المعـنيّ به العبد من الزوجة والمحارم ..وإلا فما قيمة باقي الأفراد - التي لاعلاقة للفرد بهن - ليشغل حيّـزا من نفسه ، بل ليسلب شيئا من إرادته ؟!..وقد ورد في الخبر: ** لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك ، فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينك ، فإن قدرت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة فافعل **تنبيه الخواطر- ص50..فإذا نجح العبد في مرحلة التعالي عن الجنس برمّته ، صار التجاوز عن الفرد الخاص مما لا مؤونة فيه ، لأنه مندرج في الجنس الذي تعالى عليه ، وهكذا الأمر في باقي الشهوات ..أما الذي يعيش عالم ( النساء ) حبّـا والتذاذا ، فمن الطبيعي أن ( يتفاعل ) مع كل فرد منهن لميله إلى أصل الجنس المنعكس على أفراده ، وإن أدى ذلك للوقوع في الحرام ، ثم التوبة بعدها ليعود الابتلاء بفرد آخر منهن ، ويستمر به الأمر كذلك ، إلى أن يخرج من حد العبودية والتوبة فيرى المنكر معروفاً ، كما نراه في هذا الواقع المرير .
الومضة رقم 175: عدم الانشغال بالأسباب
إن التوجه إلى المخلوقين - بجعلهم سببا لتحقق الخيرات - من دون الالتفات إلى ( مسبِّبية ) المولى للأسباب ، لمن موجبات ( احتجاب ) الحق تعالى عن العبد ، إذ أن الخير بيده يصيب به من يشاء من عباده ، بسبب من يشاء ، وبما يشاء ، وكيفما يشاء ..وعليه فإن كل ( جهة ) يتوجه إليها العبد بما يذهله عن الله تعالى ، لهي ( صنم ) يعبد من دونه ، وإن كان ذلك التوجه المذموم مقدمة لعمل صالح ..ولـهذا قبّح القرآن الكريم عمل المشركين ، وإن ادعوا هدفا راجحا: ** ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى **، فدعوى الزلفى لديه من غير السبيل الذي أمر به الحق تعالى ، لهي دعوى باطلة من أيّ كان ، مشركاً كان فاعله أو موحداً ..وقد يكون سعي العبد الغافل عن هذه الحقيقة - حتى في سبيل الخير - موجبا للغفلة عن الحق المتعال ..و علامة ذلك وقوع صاحبه فيما لا يرضى منه الحق أثناء سعيه في سبيل الخير ، والذي يفترض فيه أن يكون مقربا إلى المولى جل ذكره .
الومضة رقم 176: أرقى اللذائذ
إن اللذائذ الحسية التي تستهوي أهل الدنيا في حياتهم - كشهوة النساء وغيرها - لا تعدو كونها كنموذج من عالم اللذائذ المحسوسة الأخرى و المختلفة شدة وضعفا ، مما أودعها المولى جل ذكره في عناصر عالم الوجود ، يذيقها من يشاء من عباده ..ولا شك أن هذه اللذائذ المذكورة لاتمثل - حتى في عالم الدنيا - أرقى ما عند الله تعالى من اللذائذ ..ومن هنا يعيش الأولياء عالما من اللذائذ ( العليا ) ، والتي لا يمكن أن يتعقّلها أهل اللذائذ ( الدنيا ) للاختلاف الجوهري بين العالمَـيَن ، وهذه هي إحدى أسباب إعراض أولياء الحق عن الانهماك في الشهوات ، من دون معاناة ومجاهدة ..وهذا الاختلاف في طبقات اللذائذ موجود في الجنة أيضا ، فلا يعقل أن يلتذّ المقربون من الحق المتعال بلذائذ عامة أهل الجنة ، إذ أن هناك رتبة ( النظرة ) يشير إليها قوله تعالى: ** وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة **، و رتبة ( الرضوان ) كما يشير إليها قوله تعالى: ** ورضوان من الله أكبر ** .
الومضة رقم 177: مملكة الحق والطاغوت
إن نسبة عالم عبودية الحق إلى عبودية الطاغوت ، كنسبة مملكتين متخاصمتين ..فمن ( وطّن ) نفسه للعيش في إحدى المملكتين ، عليه أن لا يفكّر للخروج إلى المملكة الأخرى ولو في بعض أيام حياته ، لأن ذلك يعد إخلالا بلوازم الإقامة في تلك المملكة ..وعليه فإن على البصير بصلاح نفسه ، أن يحسم أمره في أول الطريق ليختار العيش في إحدى المملكتين ، ( متحمّلا ) و ( محتملا ) لكل تبعات تلك الإقامة ، محققا لمصداق الفرار إلى الله تعالى ..وقد ورد في الدعاء: ** وقد علمت أن أفضل زاد الراحل إليك ، عزم إرادة وصادق طوية **البحار-ج86ص318..وبهذه النظرة يتخلص من حالة التذبذب والتأرجح ، إذ يكون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ..ومن المعلوم أن هذا التردد في البقاء في مملكة الحق بلوازمها ، قد يوجب إعراض الحق عنه بوجهه ، وقد يصل إلى مرحلة الختم على القلوب ، المستلزمة لعدم الإذن له بالعود إلى تلك المملكة أبداً .
الومضة رقم 178: مقدم الوفد
ينبغي على إمام الجماعة - وهو مقدم الوفد إلى الله تعالى - أن يلتفت إلى قصده في التقدم أمام الوفد الذي يواجه رب العزة والجلال ، فهو وإن كان إماما في صلاته ، إلا أن عليه أن لا يلحظ المأمومين في إمامته ، وذلك بعدم الاكتراث بكثرتهم ، وعدم الاعتناء بمتابعتهم له ، بل يفترض نفسه وحيدا في صلاته ، منفردا ( حكماً ) وإن كان إماماً ( موضوعاً ) ..ومن المعلوم أن مجموع هذه المشاعر ، أدعى إلى تحقق قصد القربة منه .
الومضة رقم 179: أنوار الليل والنهار
كما أن الطبيعة متغيرة بحسب التغير في الأنوار ( الحسية ) إلى أوقات متفاوتة من ليل إلى نهار ..فإنها متغيرة كذلك بحسب التغير في الأنوار ( المعنوية ) ..فنجد لأول النهار جوا متميزا عن آخره ، ولبدء الليل جوا متميزا عن منتصفه ، ويتجلى الفرق واضحا - لأهله - في ساعة السحر ، فإنها ساعة لا تشبهها ساعة من ليل أو نهار - حتى الساعة التي هي بين الطلوعين - فإنها ( الغاية ) في انفتاح أبواب السماء ، إذ عندها هدأت الأصوات ، وسكنت الحركات ، وخلا كل حبيب بحبيبه ..فسهل السبيل لمن أراد الولوج منها ، ليعطى الفضل في الرزق مادة ومعنىً ، وهذا هو العمدة في استغلال تلك الساعة المباركة .
الومضة رقم 180: الإرشاد من سبل القرب
إن دعوة العباد إلى الحق ، لمن اعظم سبل وصول الداعي نفسه إلى الله تعالى ، سواء وجد الاستجابة من الخلق أم لم يجد ..ولهذا يحس ( بنـفحة ) خاصة ترافقه أثناء دعوته ، لا يجدها عند الاشتغال بأمور عبادية أخرى ..ولاشك أن لإخلاصه الأثر البليغ في إدخال الحق الهدى في قلب من يريد ، إذ أن تزيين الإيمان في القلوب من شؤون المولى جل ذكره كما نسبها إلى نفسه في كتابه الكريم ، وهو لا يترتب على مجرد ( الوعظ ) وإن كان جامعا لشرائطه ، إذا لم يتدخل مقلّب القلوب في ( سوق ) القلوب إلى الجهة التي يريدها العبد في دعوته إلى الحق المتعال .
الومضة رقم 181: إمساك الطير والقلوب
يشير القرآن الكريم إلى حقيقة إمساك الحق للطير عندما تقبض في الهواء بقوله: ** ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن **..فإذا كان الحق يرعىجزئيات عالم الوجود - كمسك الطير بعد قبضها في السماء - ويسندها إلى نفسه ، كما أشار في آيات أخرى إلى الذباب والبعوض ، فكيف لا يرعى العباد وجزئيات شؤونهم ، وهم أقرب إليه من الطير وغيره ؟!..وليعلم أن من يمسك ( الطير ) في الهواء - رأفة بها - هو الذي يمسك ( قلب ) عبده المؤمن من السقوط ، وذلك فيما لو ( أمسك ) عن الطيران بعد التحليق ، اعتمادا على قدرته ، غافلاً عن رعاية الرحمـن للقلب عند الهـُوِيّ ، كرعايته للطير في الهواء عند السقوط .
الومضة رقم 182: التعصب للحق
قد يكون المتعصب للحق مذموما على تعصبه فيما لو اقترن بالجهل ..لأن المتعصب الجاهل قد يخطئ سلوك السبيل الشرعي في الترويج لحقه ، وبالتالي قد يسيء للفكرة نفسها بدلا من ترويجها ، ولكنه يبقى ( ممدوحا ) على شدة ( تعلّقه ) بالحق الذي أصابه في أصله ، وإن أخطأ في تعصبه ، ومن هنا لزم تنبيهه ليعمل على وفق الحق الذي آمن به وتعصّب له ..وقد روي عن أمير المؤمنين أنه قال : ** فليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه ** البحار- ج33ص434 .
الومضة رقم 183: الإثنينية في التعامل
إن من الممكن لمن يعيش أجواء متوترة - في المنـزل أو العمل - أن يعيش حالة من الإثنينية النافعة ، بمعنى مواجهة الأزمات بشخصه ( الظاهر ) للناس ، وهو الذي يعيش على الأرض بهمومها ومشاكلها ..وهذا الشخص الظاهر للعيان هو الذي قد يهان أو يعاقب ، إلا أن هناك شخصية أخرى لاتطالها يد البشر أبدا وهي شخصيته ( الروحية ) ، لأنها ليست من عالم المادة لتخضع للتهديد أو العقاب ، فالأمر كما وصفه أمير المؤمنين بقوله: ** صحبوا الدنيا بأبدان ، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى **البحار-ج1ص188..وعليه فليس العبد ملزماً بأن يواجه الآخرين بهذه الشخصية ، وينـزّلها من عالمها الآمن ، ليكّدر صفوها بكدر أهل الدنيا ..فالإيذاء القولي والفعلي إنما هو متوجه لذلك الوجود المادي ، لا لهذه ( اللطيفة ) الربانية ..والذي يواجه الأزمات الأرضية هو ( شخصـه ) لا شخصيته ، إلا إذا تعمد هو بسوء اختياره في زجّها فيما لا يحمد عقباه .
الومضة رقم 184: برد الرضا
قد لا يستوعب البعض حقيقة أن للرضا الإلهي برداً ( يحسه ) القلب النابض بالحياة الروحية ، مع أن العباد يعيشون هذه الحقيقة بالنسبة إلى بعضهم البعض ..فللرضا بين الزوج والزوجة ، والأب وولده ، والصديق وصديقه ، والراعي ورعيته ، ( بـرد ) يحسه كل طرف وخاصة بعد خصومة تلتها ألفة ، وهذا الإحساس وجداني لا يختص بفرد دون آخر ..ويصل الأمر مداه حتى ينعكس آثار برد الرضا على البدن ، من الإحساس ( بالسّكون ) تارة ، و( بالقشعريرة ) تارة أخرى ..فكيف يستشعر الإنسان هذا الشعور تجاه من هو فـانٍ ولاقيمة لبرد رضاه ، ولا يستشعره مع الحـي القيوم الذي بيده ملكوت كل شئ ؟!.
الومضة رقم 185: الترقية المؤقتة
قد يمنح العبد في بعض الحالات - كمواسم الطاعة - بعض الترقيات الاستثنائية ، ( إكراماً ) لوقوع العبد في دائرة الضيافة الخاصة ..فَمَثـله في ذلك كمثل الطالب الذي ينقل من رتبته إلى رتبة أرقى بكثير من مرحلته - لساعات معدودة - لمناسبة تقتضي مثل هذا النقل ، وعندها قد ينخدع هذا الطالب بهذا النقل العارض ، ويظن أنه قد ( ترقىّ ) فعلا في دراسته ، إلا أنه يفاجأ بإرجاعه إلى رتبته السابقة ، ليعلم أنه لا زال يراوح في مكانه من دون سير إلى الكمال ..فعليه أن لا يغفل عن حقيقة: أن الرتب العالية أمر ( ذو مراحل ) ، والاستقرار فيها يحتاج إلى اجتياز تلك المراحل بنجاح ، وهو السلوك الطبيعي الذي سلكه الواصلون مع اختلاف رتبهم .
الومضة رقم 186: خدمة القلوب
إن من أعظم سبل إرضاء الحق هو العمل الذي ينعكس أثره على ( القلوب ) ، إذ أنها محل معرفته ، ومستودع حـبّه ..فتفريج الكرب عنها ، أو إدخال السرور عليها ، أو دلالتها على الهدى ، أو تخليصها من الهـمّ والغم ، كل ذلك مما يوجب سرور الحق وأوليائه كما تشهد به الروايات ..وكلما ( قرب ) هذا القلب من الحق ، كلما ( عُظم ) ذلك السرور عند الحق المتعال ، وبالتالي عظمت الآثار المترتبة على ذلك السرور من الجزاء الذي لا يعلمه غيره ، لأنه من العطاء بغير حساب ..بل يستفاد من بعض الأخبار ، ترتّب الآثار حتى على إدخال السرور على كل ذي كبد رطبة - ولو من البهائم - بإرواء عطشه ، فكيف الأمر بقلوب الصالحين من عباده ؟! .
الومضة رقم 187: الذكر اليونسي
إن من النافع أن يتخذ العبد لنفسه ذكراً - يأنس به - في ساعات خلوته أو جلوته مع الناس ..فإن ( المداومة ) على ذكر خاص مما ( يركّـز ) من آثاره ..ومن الأذكار المؤثرة في تغيير مسير العبد ، هو ذلك الذكر الذي حوّل مسيرة نبي من الأنبياء ، وهو يونس (ع) بقوله: ** لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين **..فهو ذكر جامع ( للتوحيد ) ، و( التنـزيه ) ، و( الاعتراف ) بالخطيئة ، والملفت في هذه الآية ، أن الحق وعد بهذا النداء الاستجابة والنجاة من الغم له وللمؤمنين جميعا ، وهو ما يقتضيه التعبير بكلمة ( وكذلك )..والمقدار المتيقن من الأثر إنما هو لمن أتى به متشبهاً بالحالة التي كان عليها يونس (ع) من الانقطاع والالتجاء الصادق ، لفرط الشدة التي كان فيها في ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت .
الومضة رقم 188: إصلاح ذات البين
ندب الشارع المقدس إلى بعض الأمور بشدة ، ومنها إصلاح ذات البين ، وذلك لأن المتخاصِمَين يصعب عليهما إصلاح الأمر بنفسهما ، لاحتياج الأمر إلى ( نكران ) للذات - منهما أو من أحدهما - قد لا يوفق له عامة الخلق الذين يصعب عليهم نكران الذات وتجاوزها ..ولهذا قد تستمر دوامة الخصومة تلف المتخاصمين إلى آخر الحياة ، بما فيها من ارتكاب للمعاصي العظام: كالغيبة ، والنميمة ، والقذف ، والقتل وغير ذلك ، وتعظم المصيبة عندما يجمعهما رحم قريب ..فالمصلح ( يخلّص ) المتخاصمين من هذه المهالك الكبرى ، بيسير من القول أو الفعل ، قد ( يمتد ) أثره إلى أجيال المتخاصمين ..ومن هنا يعلم السر في أن إصلاح ذات البين ، أفضل من عامة الصلاة والصيام .
الومضة رقم 189: هداية السبل بالمجاهدة
قد ذكر القرآن بصريح القول ، أن هداية السبل مترتبة على الجهاد في الله تعالى ، فالذي لا يعيش في حياته شيئا من المجاهدة : في نفسه ، أو ماله ، أو بدنه ، كيف يتوقع الاهتداء إلى تلك السبل الخاصة ؟!..ومن هنا قد يعوّض الحق تقاعس عبده في المجاهدة ، وذلك بتعريضه لأنواع البلاء ، رأفة به ولرفع آثار قعوده عن الجهاد ، المتمثل بحجبه عن السبل ..ولو ( كلّف ) نفسه شيئا من المجاهدة ، ( لاندفع ) عنه بعض البلاء ..وبذلك يكون - بتثاقله إلى الأرض - قد خسر ( العافية ) ، و ( بركات ) المجاهدة المباشرة التي قد لا يعوّضها البلاء تماما .
الومضة رقم 190: الاستغراق في المعاني
قد يعيش العبد شيئا من حالات الاستغراق في مشاهدة جلال الله تعالى وجماله ، بحيث ( تثقل ) عليه متابعة تلك المعاني ( مقيدة ) بالألفاظ ..فلا ضير على العبد - في مثل هذه الحالة - من إمرار تلك المعاني على قلبه ، من دون استعمال للألفاظ الموازية لها ، ( ليواكب ) المعاني التي تتوارد عليه في تلك الحالة ، والتي هي أسرع تواردا إذا قيست إلى سرعة توارد الألفاظ ..وقد يعيش بعـض صور المناجاة التي يحب أن ينطلق فيها بالدعاء - الذي تمليه عليه حالته - من دون تقيد بنص خاص ، بل من دون تقيد بالألفاظ ، وهي مناجاة القلب التي هي من أرقى صور المناجاة ، إذ قد يستثقل العبد كل شيئ - عند محادثة المحبوب - حتى الألفاظ المعبرة عن حبه .
الومضة رقم 191: الغافل عن آداب السير
قد يعيش الغافل عن آداب القرب من الحق المتعال ، حالة من ( التعالي ) على الخلق عندما ( يمنح ) حالة روحية متميزة عن الآخرين - وخاصة إذا وهب هذه المنحة وهو في وسط غافل - فيظن انه قد تميز عنهم مطلقا ، والحال أنه سيعود إلى عالمهم بعد قليل ..فإن مَثَل هذا الغافل كمَثَل الجسم المتجه إلى فوق كحركة ( قسرية ) سرعان ما يعود إلى موضعه الذي كان هو فيه ..فلنتساءل: ما هو افتراق هذا الجسم - بعد هبوطه - عن باقي الأجسام الأرضية الأخرى ، التي لم يقدّرلها الصعود ولا الهبوط ؟! .
الومضة رقم 192: مواجهة الحقائق بالقلب
إن المواجهة للحقائق العالية إنما تكون ( بالقلب ) لا بالوجه الظاهري ..ولهذا قد يتفق للعبد مواجهة الكعبة المشرفة - وهو في جو متميز - إلا أنه لا يعيش أدنى درجات التفاعل بما هو فيه ، والسبب في ذلك أنه ( أغمض ) عين الباطن التي بها يبصر الحقائق المحجوبة عن عالم المادة ..بل قد يصل الأمر إلى انتفاء القابلية رأسا فيصاب ( بالعمى ) ، وعندها لا يرى شيئا من الحقائق الإلهية ولو كان في جوف الكعبة ، فقد قال الحق المتعال: ** فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور **، ويستمر هذا العمى إلى يوم القيامة حيث الحاجة الشديدة للإبصار في المهالك العظام ، فيقول الحق سبحانه: ** ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا **..ومن ثَـمَّ فإن من الجدير بالعبد ، عند التـعرض لتلك المواطن - التي تتطلب منه اليقظة الروحية - أن يستعد لها في مرحلة سابقة ، لئلا يذهله ( هول ) المفاجأة عن التزود في تلك المرحلة الخصبة من حياته ، والتي لا تتاح إلا بعد الفينة والفينة .
الومضة رقم 193: كعبة الأرض والعرش
إن كان ولابد من استحضار صورة حسية في الصلاة ، فإن من أفـضل الصور هي الكعبة المشرفة ..فإنها توازي تلك الكعبة المنصوبة في العرش والتي تطوف حولها الملائكة ..وإن في توجيه ( الوجوه ) الظاهرية إلى الكعبة ، تنبيه على توجيه ( البواطن ) إلى الجهة التي تتوجه إليها الملائكة في عرشه ، ولكن ( المستغرق ) في صلاته ، قد لا يحتاج لمثل هذه الصور ، وذلك لانشغاله بصور أرقى - لا تخطر ببال عامة المصلين - متمثلة بكسوة الجلال التي تغشى المصلي في صلاته ..وقد ورد في الخبر: ** لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله ، ما سرّه أن يرفع رأسه من سجوده **البحار-ج10ص110 .
الومضة رقم 194: التوفيقات تصعيد للعبد
إن التوفيقات الكبرى الممنوحة للعبد - في مثل ليالي القدر والحج - بمثابة دفع الطائرة إلى الأجواء العليا ، إذ الصعود خلاف مقتضى الطبع ( الأوّلي ) في عالم المادة والمعنى معا ..ومع استقرار الطائرة في مسيرها بعد التحليق ، لا يجد القائد لها كثير معاناة في توجيهها إلى الجهة التي يريدها ..فالتوفيقات المتتالية بمثابة التعجيل في إيصال العبد إلى مرحلة الاستقرار والتحليق الثابت في أجواء العبادة ، بعيدا عن جاذبية الشهوات الأرضية ..وليعلم أن الكارثة تقع عند الارتطام بعد الصعود والتحليق ، وهكذا الحال في ( هويّ ) العبد لأسفل الدرجات ، عند ( الصدود ) عن الحق بعد ما منح التوفيق والتحليق في أجواء العبودية العليا .
الومضة رقم 195: للأكل حيثيتان
إن لتناول الطعام حيثيتين ، الأولى: وهي إمرار الطعام على اللسان ، ( ليستذوق ) حلاوة ما يؤكل ، والثاني: وهي إدخال الطعام في الجوف ، ( ليتحول ) إلى قوت يعينه على إدامة الحياة من أجل القيام بوظائف العبودية للحق ..ولاشك أن الحيثية الثانية هي المطلوبة للمؤمن ، وإن تحققت الأولى مقدمة من دون قصد ..والاعتقاد بهذه الفكرة ، يجعل صاحبها حريصا في أن لا يدخل في جوفه ، إلا بالمقدار الذي يعينه على ما ذكر ، لا لمجرد الاستمتاع وإشباع الشهوة البهيمية لديه .
الومضة رقم 196: المتشرفون باللقاء
إن الذين تشرفوا بلقاء صاحب الأمر (ع) هم من الذين وقعوا في ( شدّة ) أوجبت لهم الانقطاع إلى الحق وأوليائه ، أو من الذين ( اشتد ) شوقهم إلى لقائه كعلي بن مهزيار وأمثاله من مشتاقي لقاء خليفة الله تعالى في الأرض ..وليعلم في هذا السياق أن الرغبة الجامحة للقائه - شوقا لا حاجة - متفرعة على نوع تشبّه بالمعصوم في إتباع الشريعة بكل حدودها ، ليتحقق شئ من المسانخة بين الزائر والمزور ، وخاصة مع انغلاق أبواب اللقاء في زمان الغيبة ..ولا تتـأتي هذه الرغبة المقدسة - اعتباطا أو تكلفّا - لمجرد أمنيّة لم يبذل لهـا صاحبها موجبات تحققه .
الومضة رقم 197: الطلب يلازم الوصول
لقد ورد في بعض الأدعية ما هو كالمفتاح لمغاليق القرب من الحق كقوله: ** ولا يفوته من طلبه **..وهي حقيقة لا يلتفت إليها الغافلون ، فإن طلب الحق - على حقيقته - قلّما يتحـقق في جنس البشر على كثرتهم ..و ( الطلب ) نوع معنىً يغاير ( السؤال ) ، فقد يسأل الإنسان شيئا ولكنه لا يطلبه ، لما في الطلب من نوع إصرار لا ينفك عنه صاحبه ، كما نشاهده في الذين وقعوا في الغرام الباطل ..فإذا وصل العبد إلى هذه المرحلة ( الأكيدة ) من طلب الحق ، ( تفـضّل ) عليه الحق بتحقيق مطلوبه ، وهو معايشته لحقيقة العبودية ، والتي هي الغاية من الخلقة والوجود .
الومضة رقم 198: السنن في التكوين و والأنفس
كما أن السنن في عالم ( التكوين ) لا تنخرم إلا عند الحاجة والضرورة كما في موارد المعاجز والكرامة ، فكذلك للحق سننه في عالم ( الأنفس ) ..فإن السير التكاملي للحق محكوم بسلسلة من القواعد والسنن ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ..وأما ( الطفرة ) والإعجاز والإعفاء من بعض السنن ، يغاير الأصل الأوّلي فلا يعول عليه اللبيب في سيره إلى الله تعالى ، وقد قال الحق المتعال: ** وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ** ، فجَعَل مقام الإمامة في الهداية - وهي من أجلّ المقامات - مترتبة على الصبر ، تنبيها على هذه الحقيقة ..وهذه هي السنة العامة في خلقه ، ولن تجد لسنة الله تحويلا .
الومضة رقم 199: المشغول عن الحق المتعال
ليس من المهم اشتغال العبد بالمهام من الأمور ، عندما ( يحتجب ) عن ربه لغفلة أو لمعصية ..فالمشغول عن الحق تعالى متنـزل إلى رتبة ( الغافلين ) التي لا يعتدّ بالتفاضل في درجاتها ، إذ أن أهمية ما هو مشغول فيه من تجارة أو علم ، لا تخرجه عن تلك المرتبة النازلة التي يشترك فيها الغافلون جميعاً ، على اختلاف درجات اهتمامهم ..فالساقط من السماء يعيش على الأرض ولو كان في أجوائها العليا ، فلا حق لمن كان ولو في أعالي الجبال ، أن يقيس نفسه إلى من هو أعالي السماء .
الومضة رقم 200: خلود الذكر
قد يكتب الخلود - من حيث الآثار - لبعض العباد ، فيُخلّد ذكرهم في ضمن صدقة جارية ، أو أثر نافع ، أو تربيـة لجيل من العلماء أو الصالحين وغير ذلك ..ومن المعلوم أن الدلالة على السبيل - الذي يوجب مثل هذا الخلود - إنما هو ( تفضّل ) من الحق ، ( بالإيحاء ) لمن يريد أولاً ، و( بتسهيل ) السبل لذلك ثانياً ، إذ هو الذي يسند ذلك إلى نفسه بقوله: ** وأوحينا إليهم فعل الخيرات **..وشتان بين الخير الذي يراه العبد خيرا بنظره القاصر ، وبين الخير الذي يقذفه الحق في قلب من أراد به خيراً .


 

قديم 02-16-2013, 04:57 AM   #5
أسطورة العشق الإلهي..


الصورة الرمزية رقية حسين
رقية حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 العمر : 24
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم :  346
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
لوني المفضل : Indigo

اوسمتي

افتراضي



الومضة رقم 201: التفويض إلى البصير بالعباد
يختم الحق قوله في: ** وأفوض أمري إلى الله ** بذكر ( العباد ) ..ومن ذلك يستشعر أن الحق المتعال ( يصرّف ) شؤون الفرد المفوض للأمر إليه ، من خلال ( سيطرته ) على العباد ، بمقتضى مولويته المطلق و إحاطته بشؤون الخلق أجمعين ..فالحق - الذي فوض إليه العبد أمر الرزق مثلا - هو البصير بكل العباد ، فيختار منهم من يكون سببا لسوق الرزق إلى ذلك المفوّض ..وهكذا الأمر في التزويج وغير ذلك من شؤون الحياة ، الجليلة منها والحقيرة .
الومضة رقم 202: الذهول عما سواه
أشار القرآن الكريم إلى حالة الذهول المستغرق الذي انتاب النسوة اللاتي قطّعن أيديهن عندما رأين جمال يوسف (ع) ..فعلم من ذلك أن توجّـه النفس إلى جهة واحدة ، يوجب ( انصراف ) النفس عما عداها في تلك الحالة ..وبناء على ذلك فان العبد لو أمكنه ( استجماع ) المتفرق من خيوط نفسه المتشعبة نحو الهوى ، وتوجيهها نحو كعبة الهدى الإلهي ، لتحقق منه ( الذهول ) عما سوى الحق بما لا يقاس به ذهول نسوة يوسف عمن سواه ..فأين جمال الخلق من جمال الخالق المستجمع لكل صفات الجلال والكمال ؟!..إن الاعتقاد بهذه الدرجات العليا من السمو الروحي ، يوجب ( ارتفاع ) همّـة العبد ، وإن كان يائسا - فعلا - من الوصول إلى شيء من تلك الدرجات ، لنقصٍ في المقتضيات أو وجودٍ للموانع .
الومضة رقم 203: الهوة بين المادة والمعنى
إن هذه الهوة العميقة القائمة بين عالم المادة والمعنى ، يجعل الجمع بينهما من أصعب الأمور ..فإذا توجّه العبد إلى أحدهما غاب الآخر عن قلبه ، ومن هنا عُـبّر عنهما ( بالضرتين ) بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، كما ورد في الخبر: ** مَـَثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان ، إن أرضى إحداهما أسخطت الأخرى **البحار-ج73ص120..وهذه هي الأزمة الكبرى للسائرين في أول طريق العبودية ، بل إن أصحاب النبي (ص) اشتكوا أيضا من تبدل حالاتهم بالقول: ** إذا دخلنا هذه البيوت ، وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والمال ، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك ، فأجابهم النبي (ص) :لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها ، وانتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها ، لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء **البحار-ج70ص56..والحل الجامع لهذه المفارقة أن ( يتجلّى ) الحضور الإلهي عند العبد إلى درجة قريبة من حضور المحسوسات عنده ، ثم ( تنمية ) هذا الحضور أكثر فأكثر، إلى مرحلة ( اندكاك ) حضور المحسوسات لديه في ذلك الحضور المقدس ..فيؤول الأمر إلى أن لا يرى إلا لونا واحدا في عالم الوجود ، فيكون كمن مسح لونا باهتا بآخر فاقعٍ ، فلا يكون البريق الخاطف للأنظار إلا للثاني الناسخ لما قبله ..وهذه هي الحالة التي يعكسها مضمون ما روي عن أمير المؤمنين (ع): ** ما رأيت شيئا ، إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه **.
الومضة رقم 204: دعوة العبد بالأذان
إن نداء المؤذن للصلاة دعوة صريحة ومؤكدة من الحق ( للمثول ) بين يديه ، وذلك بالنظر إلى تكرر الفقرات في الأذان ، أضف إلى استعمال كلمة ( حيّ ) المشعرة بالتعجيل ..وعليه فعدم ( الاستجابة ) للنداء مع الفراغ من الموانع ، يُعدّ نوع عدم اكتراث بدعوة الحق الغني عن العباد ..ولاشك أن تكرّر هذه الحالة من الإعراض ، يعرّض العبد لعقوبة المدبرين - ولو من غير قصد - كمعيشة الضنك التي قد تشمل مثل هذا المعرض عن الذكر ..وقد قال الحق تعالى : ** ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا **.
الومضة رقم 205: وجل الطائعين
إن من الملفت حقا ذكر الحق لحالة ( الوَجَل ) التي يعيشها المنفق ، إذ يقول سبحانه: ** والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة **..و ( الخوف ) الذي يعيشه الموفي بنذره ، فيقول عز وجل: ** يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا **، والحال أن حال الطاعة من الانفاق والوفاء بالنذر ، يناسبه الرجاء والارتياح ..والسبب في ذلك قد يفهم من ذيل الآية الأولى: {أنهم إلى ربهم راجعون** ، إذ أن رجوعهم إلى الحق يعني المساءلة التي لو عمل فيها بمقتضى - العدل لا الفضل - لرُدّ العمل إلى صاحبه ، إما ( لخلل ) في حلية المال المُنفق ، أو ( لصرفه ) في غير موضعه ، أو ( لإبطاله ) بالمنّ والأذى ، أو ( لصرف ) ثواب الإنفاق في مصالحة حقوق العباد ، وقس عليه باقي موارد الطاعة .
الومضة رقم 206: الطموح في الدرجات العالية
إن من الطموح المحمود أن يطلب العبد الدرجات ( العليا ) في العبودية التي يتفضل بها الرب المتعال على عبده ، غير الدرجات ( العادية ) المتمثلة بامتثال الأوامر والنواهي ..ومن أمثلة ذلك ما ورد في دعاء كميل: ** واجعلني من احسن عبيدك نصيبا عندك ، وأقربهم منزلة منك ، وأخصهم زلفة لديك **، ثم يعقّب ذلك بقوله: ** فإنه لا ينال ذلك إلا بفضلك **، وكأنه دفعٌ للاستغراب من طلب هذه المقامات التي لا تمنح إلا للأوحديّ من العباد ..و لو لم يمنح الحق هذه الرتب ( العالية ) للعبد - لعدم وجود ما يوجب هذا اللطف - فإن المرتبة ( النازلة ) من ذلك سيكون عظيما ، يستحق معه الطلب الأكيد وإن طال المدى ..ومن هنا تتجلى أهمية الدعاء في استجلاب العطاءات الكبرى التي ليست في الحسبان ، لأنها من الرازق بغير حساب .
الومضة رقم 207: الرزق الأعم
ورد في دعاء يوم المباهله: ** وأسألك من رزقك بأعمه **..فالرزق المذكور - في سياق بعض الآيات والروايات - ليس محصورا بنوع خاص من الرزق المتبادر في أذهان العامة والمتمثل ( بالمال ) ، بل هو رزق عام كما في الدعاء المذكور يشمل: المال ، والعافية ، والعلم النافع ، والولد الصالح ، والصدقة الجارية ، وغير ذلك مما يسترزقه العبد ، وقد يجمعها تعالى لأقوام أراد بهم اللطف الأعم ، والرزق الأشمل .
الومضة رقم 208: قواعد القبض والبسط
إن القبض والبسط من الحالات المتواردة على قلب العبد ، ولهما بعض القواعد التي يحسن الالتفات إليها: فمن ذلك أن القبض والبسط ( بـيد ) القابض والباسط يجريهـما على قلب عبده بمقتضى حكمته الغالبة ..ومنها إنه لا يمكن إطلاق القول بأن الإقبال خير من الإدبار ، لأن بالثاني يدفع حالة ( العُجْب ) المهلكة ، فإن أنـين المذنبين قد يكون أحب إليه من تسبيح المسبحين ..ومنها أن الإدبار قد يجتمع مع قرب منـزلة العبد من ربه حتى في حالة الإدبار ، فيُعطى الرتبـة ( التقديرية ) من دون تحسيس له بذلك ، لمصلحة يراها الرب الحكيم ..ومنها أن القبض يعـارض ( هوى ) النفس ، وفي ذلك تكـفير لسيئاته وخاصة مع تأذي صاحبه من طول فترة الإدبـار ..ومنها أن القبض والبسط من حالات العـبد وخصوصياته ، فلا ينبغي أن يشغل نفسه ( بما يخصه ) عما ( يخص الحق ) وهو القيام بوظائف العبودية ..ومن مجموع ما ذكر يعلم أن على العبد أن يقوم مقام العبد ، سواء أورث ذلك إقبالا أو إدبارا ، إذ ليس الإقبال بغية مستقلة للعبد ، وإلا صارت عبادته طلباً للحظوظ النفسانية التي تخل بالإخلاص عند الدقة والتأمل ..وليعلم أخيرا أن هنالك بعض الذنوب الموجبة للقبض ، بل بعض المباحات المعبر عنها بمثيرات الهموم ، التي نهى النبي (ص) عن استعمالها كما ورد في: البحارج76-ص232 .
الومضة رقم 209: فتح الشهية قبل الإطعام
إن عمل المبلغ في هداية الخلق يتمثل أولاً في ( فتح ) شهيّتهم لتقبّل الهدى الإلهي ، وإقناعهم بضرورة الإصغاء لما يتلى عليهم من آيات الله تعالى ..فما فائدة تقديم الطعام لمن لا يرغب فيه ، إما لعدم ( ميله ) إلى ذلك الطعام ، أو لعدم ( إحساسه ) بالجوع أصلاً ؟!..ومن هنا جَعَل الحق تأثير إنذار النبي (ص) - بما أوتي من مدد الهي وخلق عظيم - منوطاً بالإتباع والخشية ، فقال : ** إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب **..فمن ليس في مقام ( الإتباع ) - وهو الرغبة في سلوك طريق الحق - كيف يتحقق منه السلوك عملا ؟.
الومضة رقم 210: ارتباط الأبدان بالقلوب
إن هناك ارتباطا واضحا بين عالم الأبدان والأرواح ، والدليل على ذلك في عالم ( التكوين ) ، حمرة الخجل وصفرة الوجل كما يمثل في محله ..والأمر كذلك في عالم ( التشريع ) ، فإن للمحرمات والمكروهات والواجبات والمستحبات المرتبطة بالأبدان - ككيفية الأكل والنوم والمعاشرة الزوجية وغير ذلك - آثارها البالغة في السلوك الروحي ..وقد ربطت الروايات المختلفة مثلا بين السلوك ( الروحي ) والأكل ، في مثل ما روي محذرا: ** إياكم وفضول المطعم ، فإنه يسم القلب بالفضلة ، ويبطئ بالجوارح عن الطاعة ، ويصمّ الهمم عن سماع الموعظة **البحار-ج72ص199..أو{ فإنه أصلح لمعدتك وبدنك ، وأزكى لعقلك **أو{ من إقتصد في أكله كثرت صحته ، وصلحت فكرته **..أو ( كالطهارة ) الروحية والاغسال الواجبة ، إذ مُـنع المجنب من بعض الصور العبادية ، ولعله لأجل الحـزازة التي لا ترتفع إلا بالاغتسال .
الومضة رقم 211: هذا عطاؤنا فأمنن أو أمسك
إن من الممكن القول أن الأئمة (ع) يشتركون مع سليمان (ع) في هذه المقولة: ** هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب **..( فالملك ) المعنوي - الذي لا ينبغي لأحد من بعدهم - ( عطاء ) من الحق بغير حساب ، فإمساكهم للعطاء أو بذله لا يؤثر في ملكه تعالى ..وعليه فما المانع في سياق هذا العطاء من إعمال الشفاعة في ( أقصى ) درجاتها الممكنة ، في ( أدنى ) القابليات الموجودة في العصاة من المخلوقين ؟..وقد ورد عن الباقر (ع) أن أرجى آية في القرآن قوله تعالى: ** ولسوف يعطيك ربك فترضى **..ثم قال : الشفاعة ، والله الشفاعة ، والله الشفاعة ..وقد فسر الصادق (ع) رضا النبي (ص) في الآية نفسها بقوله: ** رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد **نور الثقلين-ج5ص594.
الومضة رقم 212: التنـزل إلى عالم الغافلين
إن للغافلين عن الحق عوالمَ خاصة ، لا ينبغي التنـزل إليها من قِبَـل الذاكرين لله تعالى ..فإن عوالمهم شبيهة جدا بعالم الطفولة ، فتراهم يأنسون بما يعترفون أنه لعب فيذهبون إلى ( الملعب ) ، وبما يعترفون أنه لهو فيذهبون إلى ( الملهى ) ..فأداة اللهو لديهم يكبر حجماً قياسا إلى ما يلهو به الطفل ، وطريقة اللعب تبدو اكثر جدية قياسا إلى الطريقة الساذجة التي يلعب بها الطفل ..والتنـزل إلى عوالمهم يكون إما ( بالأنس ) بهم مطلقا ، أو ( بالمشاركة ) في لهوهم ولعبهم ..وهناك سبيل آخر للتنـزل يتمثل في ( الغضب ) والدخول في الخصومة معهم ، تجعل صاحبها يتعامل - شاء أم أبى - بأسلوب تخاصم الغافلين ..وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال : ** ما تسابّ اثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل **البحار-ج78ص335 .
الومضة رقم 213: مودة ذوي القربى
عندما يراجع المتأمل آيات أجر الرسالة ، يلاحظ أنها مذيلة بأمور ثلاثة..الأول: أن أجر الرسالة يتمثل بمودة ذوي القربى لقوله تعالى: ** قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى **، الثاني :أن ثمرة أجر الرسالة إنما تعود للمرسل إليهم لقوله تعالى: ** ما سألتكم من أجر فهو لكم **، الثالث:أن سؤال الأجر إنما هو ممن يريد اتخاذ السبيل إلى الله تعالى لقوله تعالى: ** ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا **..فيستفاد من مجموع ذلك: أن مودّة ذوي القربى بدرجة من الأهمية جُعلت ( أجرًا ) للرسالة ، وذلك لأنها مقدمة لفهم الرسالة وللعمل بها ، وأن الفائدة - بذلك - إنما ( تعود ) إلى أهل المودة ، وأن ذوي القربى هم ( السبيل ) إليه تعالى .

الومضة رقم 214: الحركة ثم البركة
إن الحق أمر مريم (ع) بهزّ جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجنيّ ..ومن ذلك يُعلم أنه لابد للعبد من ( الحركة ) ليتحقق من الحق ( البركة ) ..فرغم أن مريم (ع) كانت في ضيافة الحق ورعايته - مع ما فيها من عوارض الحمل والوضع - إلا أنها مأمورة أيضا ببذل ما في وسعها ، وإن كان بمقدار هز الجذع على سهولته .
الومضة رقم 215: الحقيقتان المتمايزتان
عندما يترقى العبد في سلم التكامل ، يصل إلى درجة لا يرى في الوجود إلا حقيقتين متمايزتين وهو وجود ( الحق ) وما يرتبط به ، ووجود ( الأغيار ) وما يتعلق بهم ..وكل ما سوى الحق له لون واحد متسم بالبطلان ، وإن لم يكن كذلك في النـظر القاصر ، إذ أن كل شيء ما خلا الله باطل ، وهي الحقيقة التي توصل إليها من كان في الجاهلية ، واستحسنها النبي (ص) منه إذ قال : ** وإنها اصدق كلمة قالته العرب **البحارج7ص294..فمثلا الالتفات إلى ( الـذات ) وإلى ملكاتهـا الفاضلة ، وإلى ( العبادات ) الصادرة منها ، يُـعدّ التفاتا إلى ما سوى الملك الحق المبين ، شأنه في ذلك شأن الالتفات إلى باقي أفراد المتاع الباطل ، إذ أن كل ما ذكر من الأغيار ، أفراد لحقيقة واحدة ، في مقابل الحق المتعال ..فالالتفات إلى غير الحق له أثر واحد ثابت ، ويترتب عليه أثر الإعراض عن الحق بدرجة من درجات الإعراض عن الحق ، وإن كان المُلتَفَت إليه حسنا في حد نفسه ، كالصالحات من الأعمال والزاكيات من الأفعال .
الومضة رقم 216: وجدان حالة العبودية
إن من أعظم رتب العبودية ، أن يجد الإنسان نفسه عبدا لله تعالى - بكل ما تحمله كلمة العبودية من معنى - كإحساسه بباقي صفاته الوجدانية كالأبوة والزوجية وغيرها ..وهذه حالة وجدانية لا نظرية ، قد لا تعتري حتى المعتقد ( بعبوديته ) للحق طوال حياته مرة واحدة ..فإذا كان العبيد بين يدي الخلق لهم إحساس باطني متميز عن الأحرار - هو الذي يحركهم للقيام بوظائف العبودية تجاه مواليهم - فكيف إذا أحس العبد بهذا الشعور ، بالنسبة إلى من الوجود ( منه وبه وله وإليه ) ؟!..عندئذ يتحول وجوده إلى وجود متعبد بين يدي الحق بظاهره وباطنه ، تعكسه هذه الفقرة من الطلب في دعاء كميل: ** اللهم اجعل لساني بذكرك لهجا ، وقلبي بحبك متيّما **.
الومضة رقم 217: الإحتفاف بالشهوات والشبهات
كما أن عالم القلب محفوف ( بالشهوات ) التي تخيّم على القلب فتسلبه إرادته ، فكذلك عالم الفكر محفوف ( بالشبهات ) التي تحوم حول الفكر فتسلبه بصيرته ..وللشيطان دور في العالمين معاً ، فيزيّن الشهوات للقلب بمقتضى ما ورد في قوله تعالى: ** لأزينن لهم في الأرض ** ، كما يزين زخرف القول للفكر بمقتضى قوله تعالى: ** يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا **..ولا يبعد أن تكون بعض المذاهب الفكرية التي حّرفت أجيالا بشرية على مر العصور كالشيوعية مثلاً ، وليدة مثل هذا الإيحاء الشيطاني لقادة هذه الأفكار الباطلة ، بل لأتباعهم المتفانين في نصرة تلك المذاهب ..والقرآن الكريم يشير إلى حقيقة هذا الإيحاء عند مجادلة المؤمنين بقوله: ** وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم **..وإلا فكيف نفسر ( نشوء ) مذاهب بمبادئها وقادتها وأنصارها واستمرارها قرونا طوالا ، وكأن هناك يداً ( واحدة ) هي المسيطرة على مجرى الأحداث ؟!..ومن هنا يعلم أيضاً ضرورة الاستعاذة الجادة بالحق ، سواء في مجال دفع الشهوات عن القلب ، أو دفع الشبهات عن الفكر ، لئلا يتحول العبد ياتباع خطوات الشياطين ، إلى إمام من الأئمة الذين يدعون إلى النار .
الومضة رقم 218: التفاعل الموجب للحزن
كثيرا ما تتفاعل أنفسنا مع بعض الذكريات المحزّنة ، أو الخواطر المشوّشة ، وبالتالي نوقع أنفسنا ( باختيارنا ) في دائرة التوتر والقلق ..فعلى العاقل أن يضع جهاز مراقبة في نفسه ، لمنع توارد مثل هذه الخواطر المقلقة ، أو بالأحرى منع استقرارها في النفس ..فإن الخواطر قد تتوارد على القلب من دون اختيار ، وليس في ذلك ضير - وخاصة في أول الطريق - بل البأس كل البأس في التفاعل مع ( الهاجس ) على أنه حقيقة ، ومع ( المستقبل ) على أنه حاضر ، ومع ( الموهوم ) على أنه متيقن .
الومضة رقم 219: اجتياز المشاعر الباطلة
إن العبد قد يعيش بعض المشاعر الباطلة في نفسه كالحسد والحقد وغير ذلك ، فيوجب له ( اليأس ) والتذمر لما آل إليه أمره ، ( فيترك ) بسبب ذلك السير التكاملي نحو الحق ، والحال أن مثل تلك المشاعر قد ( تتوارد ) على النفس وتتجول في جنباتها من دون استقرار وثبات ، فيكون مثلها كمثل الأجنبية التي ترد الدار من دون أن تستقر أو تتفاعل مع صاحبها ، فلا يذم صاحب الدار على مجرد هذا الاجتياز ، الذي لم يستتبع أية صورة من صور الفساد .
الومضة رقم 220: تمني الخلاص
إن الذي ( يتمنىّ ) الحياة خارج السجن ، لابد وأن ( يعمل ) ما يوجب له الخروج من السجن ..فإن مجرد ( معرفته ) بما هو فيه لا توجب له ( الخلاص ) ، وإن كانت هذه المعرفة - في حد ذاتها - من معدات الخلاص ، وهذا خلافا للجاهل بحقيقة مسجونيته ، وذلك كمن يولد في السجن ، فلا يكاد يصدق بمكان أرحب منه ..وعليه فإن المؤمن العالم بحقيقة الدنيا وضيقها ، يسعى جاهدا للخروج منها بروحه ، وإن بقي فيها ببدنه ، مصداقا لقوله (ع): ** صحبوا الدنيا بأبدان ، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى **..ومن المعلوم أن هذا الإحساس يجعل صاحبه يعيش عوالم رحبة وإن ضاقت به الأرض ، إذ كيف تضيق الأرض بمن يعيش بروحه في الملأ الأعلى ؟!..ومن هنا يعلم أيضاً السر في أن المؤمن لا تنتابه حالات الانهيار التي تصيب أهل اللذائذ ، وإن كان في أشق الظروف وأمرّها .
الومضة رقم 221: روح العبادة
إن روح العبادة هي ( الالتفات ) إلى الغير بشتى صور الالتفات ، وإن لم نعتقد ( ربوبية ) الملتَفَت إليه ، ومن هنا أعتبر الإصغاء للناطق كالعابد له ، لأنه في مظان الطاعة له لاحقاً ، فإن روح العبادة هي الطاعة قوة أو فعلاً ..وقد حذّر القرآن الكريم من الشرك بكل صوره وأشكاله ، واعتبر الهوى إلها متخذا من دون الله تعالى ، وذلك لالتفات العبد إلى هواه وطاعته له ..وإلا فَمَن الذي يعبد الهوى بالمعنى الظاهري للعبادة كعبادة الأوثان والأصنام ؟!..وبناء على ما ذكر فما القيمة الكبرى لعبادة من ( نعتقد ) بربوبيته ، مع عدم ( الالتفات ) إليه لا إجمالاً ولا تفصيلاً ؟!..وقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : ** أما يخاف الذي يحوّل وجهه في الصلاة ، أن يحوّل الله وجهه وجه حمار **البحار-ج75ص468..فإذا كان تحويل الوجه الظاهري عن المولى في معرض هذه العقوبة القاسية ، فكيف بتحويل الباطن عنه ؟! .
الومضة رقم 222: الإحساس بالتقصير العظيم
إن من الضروري الإحساس - ولو بين فترة وأخرى - بالتقصير العظيم في حق المولى الكريم ، كما يشير إليه تعالى بقوله: ** وما قدروا الله حق قدره **..فكل لحظة يلهو فيها العبد عن ذكر ربه ، لهي لحظة سوء أدب بين يديه ، إذ كيف ( يلهو ) العبد والله تعالى ( مراقبه ) ، أم كيف ( يسهو ) وهو ( ذاكره ) ؟!..فلو ترادفت لحظات الغفلة في حياة العبد - كما هو الغالب - لوجب أن يتعاظم شعوره بالتقصير ، ويشتد حياؤه منه.
الومضة رقم 223: تقديم القربان
تتوقف ( حيازة ) بعض درجات القرب العالية من الحق ، على ( تقديم ) قربان يتمثل في شيء من الخوف والجوع ، ونقص في الأموال والأنفس والثمرات ..فالعبد - الذي تولى الحق تربيته - يجد في نفسه حالة من التكامل والرقي بعد كل وجبة بلاء ، تزول محنته ويبقى أثره ، وهذا ما نلحظه في حياة الأنبياء (ع) ، فلكل نبي بلاء مختص به: كأيوب وإبراهيم ويعقوب (عليهم السلام ) ..وتصل قمة البلاء في النبي (ص) الذي أوذي بما لم يؤذ أحد قبله ، كما تتمثل قمة العطاء في تقديم القربان - عن طواعية واختيار - كما كان الأمر كذلك في سيد الشهداء (ع) ..وعليه فإن على المؤمن السالك إلى الحق ، أن يستعد لصنوف البلاء ، أسوة بمن مضى قبله ممن هم أفضل منه ، ولو كان الإعفاء من البلاء لطفا ، لكان الأنبياء أولى بهذا اللطف .
الومضة رقم 224: الطُّعم لصيد أكبر
إن من الضروري أن نعلم أن بعض المحرمات - على بساطتها - بمثابة طعم لصيد أكبر ..فالسمكة الكبيرة تصطاد بدودة صغيرة ، والعبد قد يدخل السجن الكبير من الباب الصغير ..فالنظرة المحرمة إلى المرأة وأشباه ذلك من الذنوب التي نستصغرها ، بمثابة الدودة الصغيرة التي توقع آكله في الشباك ، فينتقل من بيئته الآمنة ، إلى حيث الهلاك الذي لا نجاة منه ..ومن هنا عُـبّر عن بعض الذنوب أنه سهم من سهام إبليس ، وما السهم إلا عود دقيق يوجب الهلاك العظيم .
الومضة رقم 225: حجب النور
وردت في بعض الأدعية عبارة حجب النوركما في المناجاة الشعبانية ..فكيف يكون النور حجابا وبالنور تكشف الحجب ؟!..والجواب عن ذلك هو أن التأمل في ( النور ) قد يشغل الإنسان عن ( منوّر النور ) ..والحال أن النور ليس إلا أثرا من آثار المنور ، كما ورد في ذيل دعاء عرفة فإن{ التردد في الآثار يوجب بعد المزار **..فالمطلوب من العبد هو التفاعل مع النور بمقدار ما يوصله إلى منوّر النور ، لا ( الوقوف ) عند النور والانشغال ببريقه ، وإن كان هو خيرا من الظلمة ..هذا إذا كانت الإضافة بيانية كما هو الظاهر في أحاديث الإسراء ، وأما لو كانت لامية فإن في ذلك إشارة إلى ما يحجب عن النور من موجبات الظلمة .
الومضة رقم 226: الضيافة في العبادة
إن هناك وجهُ شبهٍ أكيدٍ بين الحج والجهاد والصيام ..فالعبد في تلك المواسم الثلاث ، في حال عبادة ( مستمرة ) وممتدة ، خلافا لعبادات أخرى واقعة في ( برهة ) من الزمان كالصلاة والزكاة ..ومن هنا كان العبد في ضيافة المولى في الحالات المذكورة كلها وبامتداد أوقاتها ، وتبعاً لذلك كان مأجورا في كل تقلباته ، كالأكل والنوم حتى النَفَس الذي ورد أنه تسبيح حال الصيام ..فالكريم كل الكريم هو الذي يكرم ضيفه في كل أوقاته ، بالضيافة اللائقة بذلك الوقت .
الومضة رقم 227: تكريم حجر وتقديس حجة
إن الطواف حول البيت ، فيه تكريم لأحجار منتسبة إلى الحق المتعال ، وكل ( تقديس ) بأمره فهو طاعة له يترتب عليه الأجر العظيم ..وزيارة قبور المعصومين (ع) فيها تقديس لحجج منتسبة إلى الحق ..وشتان بين تكريم ( حجر ) و تقديس ( حجة ) ، كالبون الشاسع بين كتاب للهٍ صامتٍ وآخرَ ناطق ..ولعله من أجل ذلك ، دلّت الروايات على أن الحق ينظر يوم عرفة إلى زوار قبر الحسين (ع) ، قبل النظر إلى زوار بيته الحرام .
الومضة رقم 228: الوجل بعد الذكر
إن وَجَل القلب عند ذكر الحق لا يلازم ( الخوف ) والرهبة فحسب ، بل قد يقترن ( بالإجلال ) والتعظيم وخاصة بعد الغفلة ، ولهذا وقع بعد الذكر الرافع لتلك الغفلة ..مَثَل ذلك مَثَل من كان في ضيافة عظيم تشاغل عنه الضيف ، وفجأة أطلّ ذلك العظيم عليه - وهو في غفلة عنه - فإن شعوراً بالوجل سينتاب الضيف ، لا لخوفه منه - إذ هو آمن من سخطه في ضيافته - بل لأجل التقصير في إجلاله وتعظيمه ..فالعبد قد يعيش حالة رتيبة من الغفلة ، يقطعها الذكر ( المفاجئ ) عند تلاوة آياته ، فينقلب إلى عبد وَجِل ، مصداقا لقوله تعالى: ** إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم **.
الومضة رقم 229: التفاعل غير المجاورة
إن التفاعل الروحي مع الفعل ( كالدعاء ) أو المكان ( كالمسجد ) أو الزمان ( كشهر ) رمضان أو الحالة ( كالحج ) ، يحتاج إلى نوع امتزاج واندماج مع ما ينبغي التفاعل معه ، كتفاعل سائلين في قارورتين إذا صبتا في قارورة واحدة ..أما مجرد مجاورة قارورة لأخرى ، لا يكفي لإحداث مثل هذا التفاعل ..والذي يحصل مع عامة الخلق هو الحالة الثانية ، فإنهم يجاورون الطاعات مجاورةً لا تفاعلاً ، فتراه في جوف الكعبة ببدنه وكأنه في عقر داره بقلبه ..فمَثَله كمَثَل من وضع قارورة داخلَ أخرى ، بمالا يستتبع أي تفاعل أو اندماج ، وإن تمت المجاورة الموهمة للتفاعل الكاذب .
الومضة رقم 230: نعيم الآخرة في الدنيا
إن من أهم صور النعيم في الآخرة هو ما يصفه القرآن بقوله: ** وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة **..وذلك نظرا لما يلازمه من أنواع ( التجلّيات ) الجلالية والكمالية ، و( كشف ) الحجب ، وبذل ( الألطاف ) الخاصة ..وليعلم أن حقيقة النظر إلى الحق المتعال ، أمرٌ لا تستوعبها النفوس الساذجة ، وذلك لأنها تحتاج إلى بلوغ روحي خاص قلّ من يصل إليه ..وعليه فلو أمكن للعبد أن يصل إلى هذه المرحلة من التلذذ بالنظر إلى الرب المتعال - وهو في الحياة الدنيا - فإنه يحوز على ألذ متع الآخرة ، قبل أن ينتقل إليها ، إذ أن جوهر الجنة مرتبة الرضوان وما يستلزمه من الدرجات ، وما دام العبد واجداً للجوهر ، فلا ضير من تأخر العوارض الأخرى إلى أجل معلوم ..فهو في حالة التذاذ دائم - دنياً وبرزخاً وعقبًى - وإن اختلفت درجة الالتذاذ بحسب المرحلة التي هو فيها ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
الومضة رقم 231: بلاء عالم التفكير
إن الإبتلاءات التي تعرض للمؤمن في عالم الذهن والتفكير لمن ( أعظم ) أنواع البلاء ، وذلك لشدة حاجته إلى صفاء في ذهنه ، ليتفرّغ للتفكير فيما يعنيه من أمر آخرته ودنياه ..فإذا ( كدّر ) الفكر شيء من مكدرات الأذهان: كالوسوسة ، والتفكير القهري ، والتوجس من الأوهام ، والقلق من المجهول ، ( افتقد ) العبد سيطرته على النفس المتلاطمة بأمواج ما ذكر ..وهذا بخلاف الإبتلاءات المتعلقة بعالم الأبدان - كالمرض والفقر - فإنها قد لا تشوّش العبد المراقب لقلبه ، وذلك لأن البلاء متوجه ( للبدن ) ومراقبة الحق إنما هو ( بالقلب ) ..فمثل ذلك كالبصر السليم في البدن السقيم ، وسقم البدن لا يمنع الإبصار مع سلامة البصر .
الومضة رقم 232: العبادة في الراحة
قد يستفاد من قوله تعالى: ** فلما تولى إلى الظل قال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير **، أن الراحة و ( هدوء ) البال - حال الدعاء - لمن دواعي التوجه في الدعاء ..فإن موسى (ع) آثر الدعاء في الظل تحت الشجرة - كما في الحديث - حيث التخلص من حرارة الشمس ، أو زحمة الخلق ، أو غير ذلك من المقارنات ..فلا ضير على المؤمن في مثل الحج أو غيره ، أن يريح نفسه من بعض ( المشاق ) المانعة له من التوجه إلى الحق المتعال ، ولهذا لم يرجُح الصيام لمن يُضعفه عن الدعاء في يوم عرفة ..ومن ذلك يفهم ضرورة ترتيب سلم الأولويات في الواجبات والمستحبات معاً ، لئلا يبطل المهم أثر الأهم ..ومعرفة هذا الترتيب تتوقف على قابلية الاستلهام ، الرافع للإبهام في كل مراحل السير إلى الحق المتعال .
الومضة رقم 233: الرزق المادي والمعنوي
كما أن الأرزاق ( المادية ) بيد الحق يصرّفها كيفما شاء وأينما أراد ، فكذلك الأرزاق ( المعنوية ) المتمثلة بميل القلوب إلى الخير ونفورها من الشر ، من الهبات الإلهية العظمى التي يختص بها من يشاء من عباده ..والعبد المرزوق هو الذي وهب الثاني وإن حرم الأول ، إذ به يحقق الهدف من الخلقة وهو عبودية الواحد القهار ..وقد أشار الحق للرزقين معاً في قوله تعالى: ** فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ** ، مقدما هويّ القلوب وهو الرزق المعنوي ، على رزق الثمرات وهو الرزق المادي ..ومن الملفت أن هذا الرزق المعنوي الخاص الذي طلبه إبراهيم الخليل (ع) ، قد ( شمل ) الكثيرين ببركة دعوته ، وهو ما يتجلى لنا في توجُّه الخلق بشتى صنوفهم - من الطائعين والعاصين - إلى بيته الحرام منذ زمانه إلى يومنا هذا ..وكأن هناك من يتصرف في قلوبهم ، فتجعلها تهوي إليه ولو من شقة بعيدة .
الومضة رقم 234: علاج الشرود الذهني
يقول الشهيد الثاني في أسرار الصلاة لعلاج ( الشرود الذهني ): لكن الضعيف لا بد أن يتفرق فكره بقليل ما يسمع أو يرى ..فعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره ، أو يصلي في بيت مظلم ، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ، أو يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ، ويحترز من الصلاة على الشوارع ، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة ، وعلى الفرش المزينة ..ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم ، سعته بمقدار ما تمكن الصلاة فيه ، ليكون ذلك أجمع للهمّ .
الومضة رقم 235: أثر التحليق الروحي
إن من ( آثار ) التحليق الروحي - عند تحققه - هو أن يرى ( صغر ) ما دون الحق في عينه ..فمَثَله كمثل الطير الذي حلّـق في أجواء عليا ، فيرى كل عناصر الأرض وهي أصغر بكثير من حجمها وهو ينظر إليها عندما يدبّ على الأرض ..وعليه فإن صِغَـر الدنيا في عين صاحبها ، ( علامة ) صادقة لتحليق روح صاحبها في أجوائه العليا ، وأما الذي يدعي التحليق ، أو يتوهّم حصول مثل هذه الحالة في نفسه - وهو مُعجب بشيء من المتاع - فليعلم أنه قد ضلّ سعيه ، وغلب عليه وهَـمُه ، ولا زال متثاقلاً إلى الأرض لا محلّـقاً في السماء .
الومضة رقم 236: حقيقة الخلوة والاعتزال
إن حقيقة الخلوة والاعتزال ليست ( بالهجرة ) من المكان ، أو ( الهجران ) للخلق ، بل الخلوة بالحق تتحقق بترك الأغيار طرًّا حتى النفس ، والتي هي من أكبر الأغيار ..فالمشغول برغبات نفسه - حتى في جلب المنافع الباقية لها - غافل عن الحق ، فضلا عن تحقيق الخلوة معه ، ولو تحققت منه هذه الخلوة الحقيقية في العمر مرة واحدة ، لأحدث قفزة كبرى في الطريق ، جابرا بذلك تخلفه عن ركب السائرين إليه ..ومن أفضل مواضع الخلوة هذه ، هو السجود الذي يمثّل الذروة في ترك الأغيار ( حساً ) إذ لايرى أحدا في حالة السجود ، ( ومعنىً ) لأنه أقرب ما يكون إلى ربه ..وهذه هي الحركة التي اختارها الحق المتعال ، عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم (ع) في بدء الخلق البشري ، ومنها انشقت مسيرة السعادة والشقاء .
الومضة رقم 237: إنكار المقامات الروحية
إن من الخطأ بمكان أن ينكر الإنسان المقامات الروحية العالية ، التي يمكن أن يصل إليها العبد بتسديد من ربه ..هذا ( الإنكار ) لو اقترن أيضا باستصغار قدر أهل المعرفة ، قد ( يعرّض ) العبد لسخط المولى الجليل ، وبالتالي ( حجبه ) عن الدرجات التي كان من الممكن أن يصل إليها ، لولا ما صدر منه من سوء الأدب بحق أولياء الحق ، لأن الاستخفاف بأولياء الحق يعود إلى الحق نفسه ، لأنهم من شؤونه .
الومضة رقم 238: الخير الكثير
أطلق الحق تعالى وصف الخير الكثير ، على الحكمة التي أعطيت للقمان الحكيم ..وهي تحتاج إلى قلب ( مطهّر ) من الدنس ، لتتلقى تلك الجوهرة القيّمة ، إذ من الحكمة أيضا لحاظ السنخية بين الظرف والمظروف ، فإن المظروف المطهّر لا يستقر إلا في الظروف الطاهرة ..ومن الموانع لتلقي هذه الحكمة: الشرك في العمل ، وعدم العمل بما يقتضيه العلم ، وتوارد الخواطر والأوهام بكثافة في النفس بما يفقدها السلامة والاستقرار ، فتكون مرتعا ( للشياطين ) المانعة من إلهامات ( الملائكة ) الموكلة بذلك ..ومجمل القول أن على العبد أن يعمل بما يوجب اختيار الحق له أهلاً لتلّقي حكمته ، فيُمنح مثل هذه الهبات العظمى ، وقد ورد في الخبر: ** وإن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهم العلم إلهاماً **البحار-ج25ص127.
الومضة رقم 239: الحذر من زوال النعم
ينبغي التأمل في مضمون الدعاء الوارد: ** اللهم ارزقني عقلا كاملا ، وعزماً ثاقبا ، ولبا راجحا ، وقلبا زكيا ، وعلما كثيرا ، وأدباً بارعاً ، واجعل ذلك كله لي ، ولا تجعله عليّ **البحار-ج87ص325..ففيه تحذير بأن هذه النعم - على جلالتها - ليست في صالح العبد دائما ، وذلك نظرا إلى: ( إمكان ) سلبها فتكون الحجة على العبد أبلغ ، أو( تعريض ) صاحبها للعجب والغرور ، أو عدم ( شكر ) تلك النعم بما يناسبها ، أو ( استعمال ) ذلك فيما من شأنه أن يبعده عن ربه ..وغير ذلك من آفات النعم التي ينبغي أن يحسن جوارها ، إذ أنها وحشية تنسل عند الغفلة عنها .
الومضة رقم 240: الاختبار الدقيق للقلب
إن من الاختبارات الدقيقة للقلب ، هو إرساله في ما يهواه من دون تكلف ، ليعلم ( محطات ) هبوطه ..( فاختيار ) القلب لمواقع الهوى الذي يلائمه ، هو الذي ( يعكس ) توجّه القلب ، ومستوى ارتفاعه أو انحطاطه ، وإن بلغ صاحبه من العلم النظري ما بلغ ..فالقلب المـُغرم بالشهوات - عند إرساله من دون تدخل العقل في إقناعه بخلاف ميله - لهو قلب بعيد عن مدارج الكمال ، لأن هذا الانتخاب التلقائي للقلب يدل على قبلته الطبيعية ، وهي التي تحدد تلقائيا مسار العمل بالجوارح ، وإن تكلف صاحبها خلاف ذلك ..ولو ترك القلب على رسله فيما يهوى ويكره ، لقاد بالعبد إلى الهاوية ، فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق .
الومضة رقم 241: ظلم من لا ناصر له
إن من أسباب الإرباك الشديد والمفاجئ في حياة بعضهم ، هو ( ظلمهم ) لمن هو دونهم ، وعلى الأخص الذين لاناصر لهم إلا الله تعالى ..بل إن من صور البلاء هو الابتلاء بضعفاء الخلق ، فكما أنهم ( آلـة ) للتسخير والاستثمار وقضاء المآرب ، فكذلك هم من موارد ( تحمّل ) الظلامة ..فليكن الحذر من الجهة الثانية ، غالباً على الركون إلى الجهة الأولى ، لفناء المنافع في الأول وبقاء التبعات في الثاني .
الومضة رقم 242: المتعة بلا لذة الحس
كثيرا ما يجد الناس متعة كبرى في الجلوس مع من يهوون ، وإن لم يتخلل ذلك أية لذة ( حسيّة ) من مأكل أو مشرب أو غير ذلك ، كسكون الأم إلى ولدها بعد طول غياب ، وكارتياح عشاق الهوى إلى بعضهم يصل إلى حد الجنون كما هو مدون في تاريخ الأمم المختلفة ..فيا تُرى ما هو حال العبد الذي ترقّى في عالم العبودية بما جعله يأنس بمصاحبة الحق ؟!..ومن العجب أن ينكر المعتقدون بالحق لذة ( المصاحبة ) هذه ، وهم يرون ما يشبه ذلك في حياة البشر مع بعضهم البعض كالنماذج التي ذكرناها أولاً ، غافلين عن هذه الحقيقة الواضحة: وهي أنه لو تحققت اللذائذ النفسية في عالم ( الحس ) ، فكيف لا تتحقق في عالم ( المعنى ) مع أنها أوفق به لكونها من سنخه ؟!..إذ أن مجرد الارتياح والسكون إلى من يهواه القلب ، لمن أعظم روافد التلذذ الذي يفوق حتى التلذذ الحسي..وقد ذكرنا آنفا لذة عشاق الهوى ، بمجرد الجلوس المجرد من أية متعة أخرى .
الومضة رقم 243: الإحساس بالطرد
يصل العبد بعد مرحلة من ( تراكم ) الذنوب إلى مرحلة الإحساس بالطرد - ولو المرحلي - من ساحة قدسه ، وعلامة ذلك ما ذكر في مناجاة الإمام السجاد (ع): من إلقاء النعاس عند الصلاة ، وسلب المناجاة عند إرادة المناجاة ، وإزالة القدم عن مجالس التوابين ..فعلى العبد أن ( يستقصي ) أسباب ذلك بوسوسة وقلق شديدين ..ويذكر الإمام (ع) في الدعاء نفسه بعض الأسباب: كالاستخفاف بحقه تعالى ، والإعراض عنه ، والدخول في مقام الكاذبين ، وانتفاء الشكر ، والفقدان من مجالس العلماء ، والدخول مع الغافلين ، والألفة مع البطّالين ، وقلة الحياء من الحق .
الومضة رقم 244: الطمع في مودة القلوب
إن الذي يطلب توجّـه القلوب إليه - طمعا في مودة القلوب لا مقدمة لسوقها إلى الحق - ينازع المولى في أعزّ ممتلكاته ..فما دام القلب ( حرم ) الحق وعرشه ، فليس من الأدب أبدا أن يسعى العبد ( لاجتذاب ) أزمّـة القلوب ، منافسةً للحق في سلطانه ..فهذا نوع غصب وسرقة قد تكون أشد ضررا من سرقة الأموال وغصبها ، إذ أنها تحـدّ فيما يختص به الجبار الذي لا يقوم لغضبه شئ في الأرض ولا في السماء .
الومضة رقم 245: معاملة الناطق
ينبغي معاملة بعض الأمور ( الصامتة ) ظاهرا معاملة الموجودات ( الناطقة ) واقعا ، وكأنها حية تستشعر ما يقال لهـا ..كما وردفي خطاب الإمام السجاد (ع) لشهر رمضان: ** السلام عليك يا أكرم مصحوب **و{ السلام عليك من أليف آنس مقبلا **وللهلال في كل شهر: ** أيها الخلق المطيع الدائب **وكخطاب الكعبة: ** الحمد لله الذي عظمك وشرفك وكرمك **..والقرآن الكريم مما ينبغي أيضا معاملته بهذه المعاملة أيضا ، فيحدثّه العبد - إذا أحس بتقصير في تلاوته - معتذرا من عدم الوفاء بحقه ، ليتجنب بذلك شكوى القرآن يوم القيامة ، إذا كان في بيت تهمل فيه قراءته .
الومضة رقم 246: البلاء بعد التوفيق
ليتوقع العبد شيئا من البلاء بعد كل توفيق ، كما يتوقع شيئا من التوفيق بعد كل بلاء ، كموسم الحج ، أو شهر رمضان ، أو طاعة مقترنة بمجاهدة ..والسر في هذا التعثر والسقوط الذي يعقب بعض التوفيق هو: إما ( غيظ ) الشياطين وإرادتهم الانتقام منه حسدا لبني آدم فبكيدون له المكائد بعد كل توفيق ، أو ( إرادة ) الحق لاختبار صدق العبد في الوفاء بعهد العبودية ..فإن العبد في تلك المواسم يعاهد ربه على أمور كثيرة ثم لا يجد المولى له عزماً ، رغم كل النفحات التي أرسلها على عبده من دون استحقاق يذكر !!..وبذلك يدرك العبد أن ما طلبه من الحق في تلك الحالات ، إنما هو مجرد أمانيّ لم يشفعها ( بالطلب ) حقيقة ، فإن التمنّي حقيقة تغاير الطلب كما هو واضح .
الومضة رقم 247: الأمور العلمية المذهلة
إن الانشغال بالأمور العلمية الذي يوجب الذهول عن الحق ، إنما هو ( حجاب ) للعبد وإن كان فيما يخص الحق كالعلوم المرتبطة بالدين ..فمَثَل هذا العبد كمَثَل من وفد على السلطان ، وانشغل بقراءة ما كتب عنه في مكتبته ، تاركا الأنس به في ساعة لقائه ..نعم لابأس بذلك في الساعات التي لم تخصص للقاء السلطان ، أو لم يؤذن له بذلك ، فيكون الوافد عليه ساعيا بين مكتبته وقاعة ضيافته ، وهذه هي من أفضل برامج الاستزادة منه ..ومن هنا عُلم أن أفضل ما يكون فيه العبد :إما ( عبادة ) بين يدي المولى ، أو ( طلب ) علمٍ نافعٍ يقرّب إليه ، أو ( قضاء ) حاجةِ من أمر المولى بصلته .
الومضة رقم 248: المحاكمة عند الفرح
ينبغي للمراقب أن يحاكم نفسه في ساعة ( الإنبساط ) التي لا يخلو منها أحد ..فإذا كان ذلك ( لإقبال ) دنياً ، أو ( تيسير ) شهوةٍ ، فلا ينبغي الاسترسال في ذلك السرور ، مصداقا لقوله تعالى: ** قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون **.
الومضة رقم 249: انتهاء موسم القرب
يتأثر البعض كثيرا عند انتهاء موسم الضيافة الإلهية كشهر رمضان والحج ، لإحساسهم بالخروج من دائرة الضيافة ..والحال أن المقربين قد لا تشتدّ وحشتهم بتلك المثابة ، لأنهم وإن خرجوا من دائرة ( الضيافة ( العامة ) ، إلا أنهم باقون في دائرة الضيافة ( الخاصة ) ، وذلك لوجود العلاقة المتميزة لهم مع الحق المتعال قبل موسم الضيافة وبعده ..ولهذا ينادون ربهم في كل ليلة: ** ولك في هذا الليل نفحات وجوائز وعطايا ومواهب ، تمنّ بها على من تشاء من عبادك ** ..ومن هنا يُعلم حقيقةَ أن السالك إلى الحق ، لا يتأثر سلوكه كثيرا بحسب الزمان والمكان ، خلافا لعامة الخلق الذين يعيشون حالاتِ ( تذبذبٍ ) عاليةٍ ، بحسب عوارض الزمان والمكان ، بما يسوقهم إلى الخير تارة وإلى الشر تارة أخرى .
الومضة رقم 250: أشد أنواع العذاب
إن من أشد أنواع العذاب على المستأنس بألطاف الحق ، هو( الإدبار ) القلبي ، الذي طالما يعرض على قلب المؤمن ، فيعيش عندها حقيقة الوحدة والوحشة التي تنتاب السجين عادة ..هذا الإحساس يجعله يتحاشى بحذر شديد ( موجبات ) الإدبار ، كالهارب من الحريق بعد اكتوائه بناره ..كما يعيش السرور الذي لا يوصف عند خروجه من سجن المحجوبية عن الحق المتعال ، ومن هنا يسعى مثل هذا العبد - جاهدا - في العمل بحذافير الشريعة بأحكامها الأربعة ، لا طلبا للأجر فحسب ، وإنما تحاشيا لما أسميناه بسجن ( المحجوبية ) عن الحق .


 

قديم 02-16-2013, 04:58 AM   #6
أسطورة العشق الإلهي..


الصورة الرمزية رقية حسين
رقية حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 العمر : 24
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم :  346
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
لوني المفضل : Indigo

اوسمتي

افتراضي



الومضة رقم 251: المنح الموهوبة
إن من المتعارف بين الخلق ( منح ) جائزة كبرى ، بعد ( تراكم ) الموجبات الجزئية لهـا ..كالمنح الدراسية الموهوبه في آخر الفصل لمن أحرز الدرجات العالية في كل فصول سنته ..والأمر في معاملة المولى لعبيده يشبه ذلك ، فبعد الطاعات الجزئية المتواصلة في كل مناسبات الشهور ، يمنح الحق عبده ( رتبة ) عالية من رتب القرب ، كمقام الرضا والسكون إلى الحق ، أو ( مقدمة ) من مقدمات تلك الرتب ، كاستضافته إلى بيته الحرام ، أو إلى مشاهد أحد أوليائه العظام ، مما يفتح له أفقاً جديدا للسير الحثيث نحو الحق المتعال ..ومن طرائف الأثر في مجال إستضافة الحق لأوليائه ، ما روي - في الاحتجاج - عن الإمام السجاد (ع) عندما دخل مكة ، وقد اشتد بالناس العطش وقال لمن هناك من العبّـاد: أما فيكم أحد يحبه الرحمن ؟!.. فقالوا: علينا الدعاء وعليه الإجابة ، فقال (ع): ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه..ثم أتى الكعبة فخر ساجداً ، فسُمع يقول في سجوده: ** سيدي بحبك لي ، إلا سقيتهم الغيث **..فما استتم كلامه حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ، فقيل له: من أين علمت أنه يحبك ؟!.. فقال (ع) : ** لولم يحبني لم يستزرني ، فلما استزارني علمت أنه يحبني ، فسألته بحبه لي فأجابني **، وأنشأ يقول:
من عرف الرب فلم تُـغنه معرفة الرب فذاك الشقي
الومضة رقم 252: المعاملة بما يناسب المرحلة
كما أن معاملة الأب لأولاده يختلف بحسب سنيّ العمر ، فأولها الدلال وآخرها الهيبة والاحترام ، ويجمعهما المحبة والوداد ..فكذلك الأمر مع الرب الودود ، فتارة يتقرب إلى عبده بما يشعر معه ( الدلال ) والإنبساط ، وتارة يحتجب عنه بما يشعر معه ( الوحشة ) والانقباض ، وتارة يتجلى له بوصف العظمة والجلال بما يشعر معه ( الهيبة ) والإشفاق ..وهكذا يتعامل الحق مع - من يصنعه على عينه - بما يناسب مقتضى مرحلته ، وهو الخبير البصير بعباده .
الومضة رقم 253: مجمل شهوات الدنيا
إن شهوات الدنيا قد أجملها الحكيم المتعال في النساء والبنين والأموال بأقسامها من المنقول وغيره ، ويجمع ذلك كله: الاستمتاع ( بالاعتبارات ) كوجاهة البنين والعشيرة ، ( والواقعيات ) كالاستمتاع بالنساء والأموال ..وهذا مما يعين العاقل على مواجهة الشهوات بما يناسبها ، لأنها بتنوعها تندرج تحت قائمة واحدة ، وتصطبغ بصبغة واحدة وهي ملاءمتها لمقتضى الميل البشري ( السفلي ) ..فلو تصّرف العبد في طبيعة ميله ، وجعلها تتوجه إلى قائمة أخرى من مقتضيات الميل البشري ( العلوي ) ، لزال البريق الكاذب للقائمة الأولى ، لتحل محلها قائمة أخرى من الشهوات العالية ، وقد قال الحق المتعال عن هؤلاء : ** والذين آمنوا أشد حبا لله **.
الومضة رقم 254: ترك التسافل
إن الوظيفة الأساسية للعبد أن ( يترك ) التسافل والإخلاد إلى الأرض ، بترك موجبات ذلك ، ولا يحمل بعد ذلك ( هـمّ ) التعالي والعروج ، إذ المولى أدرى بكيفية الصعود بعبده ، إلى ما لا يخطر بباله من الدرجات التي لا تتناهى ..إذ هو الذي يرفع عمله الصالح - على تفسيرٍ - لقوله تعالى: ** والعمل الصالح يرفعه **، وبارتفاع ( العمل ) يرتفع ( العبد ) أيضا ، لأنه القائم بذلك العمل الصالح ، وقد عبّر في موضع آخر بقوله تعالى: ** ورفعناه مكانا عليا ** .
الومضة رقم 255: مادة الافتتان
ينبغي معاملة الدنيا معاملة المرأة التي ( ترافق ) العبد وهي في غاية الجمال مع عدم ( الإذن ) له بالزواج منها ..فلو انفصلت عنه لشعر صاحبها بالسرور والارتياح ، لارتفاع مادة ( الافتتان ) التي لا يُؤمن معها الزلل في ساعة من ساعات الغفلة ، بل اعتبرت بعض الروايات أن مثل هذا الحرمان كالحمية ، كما يحمي الطبيب المريض ..ولهذا يفرح المؤمن حقيقة ، بتخفيف زهرة الحياة الدنيا لديه - وإن رآه البعض فقداً وخسراناً - لما فيه من الجمع بين زوال الفتنة ، والتعويض عما سلب منه ..ومن هنا طلب الأولياء الكفاف من العيش ، إذ قد ورد: ** فإن ما قل وكفى ، خير مما كثر وألهى **-البحارج58ص165.
الومضة رقم 256: ملاك النظر إلى الأجنبية
إن من المعلوم كون النظر إلى الأجنبية من موجبات ظلمة الفؤاد كما نلاحظ أثر ذلك بالوجدان ، كالنار التي لا تحرق الدار ولكن تسوّد جنباتها ..ولكن هناك أشياء أخري فيها ( الملاك ) نفسه ، وإن لم يكن ( حراماً ) بالمعني الفقهي للحرمة ، وذلك كمد البصر إلى ما مُتـّع به الآخرون من متاع الدنيا ، وتحديق النظر إليها ، والسؤال عن مظانـّها ، والحسرة على ما زُوي عن العبد منها ، كمن يمشي في السوق لينظر بحسرة إلى كل ما يراه ، ( فيُشغل ) فؤاده بما تراه عيناه ..وقد حذر القرآن من هذه الحالة بوضوح إذ قال : ** ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه **.
الومضة رقم 257: أصناف أزواج الدنيا
إن علاقة الناس بالدنيا إما :زواج دائم ، أو زواج منقطع ، أو طلاق رجعي ، أو طلاق بائن ، أو عدم زواج أصلا ..فالأول: لأهل الدنيا ( المستغرقين ) في متاعها ..والثاني: ( للمستمتعين ) بها من غير استغراق ، فيقدمون رجلا ويؤخرون أخرى ..والثالث: لمن هجر الدنيا بعد أن انكشفت له حقيقة حالهـا ، ثم يعود إليها بمقتضى ضعفه ووهن إرادته ..والرابع: لمن ( هجرها ) بعد طول معاناة ، بما لا يفكر معها بالرجوع أبدا ..والخامس للكمّلين الذين ( لم يتصلوا ) بمتاعها - دواما وانقطاعا - لينفصلوا عنها طلاقاً رجعياً أو بائناً ، وقليلٌ ما هم .
الومضة رقم 258: الجيفة المجمدة
مثل بعض الصفات الرذيلة الكامنة في النفس ، والتي لم يُظهرها العبد - إما ( خوفـاً ) من الله تعالى كما عند أهل التقوى ، أو ( تعالـياً ) عن رذائل الأمور ، كما عند أهل الإرادة والرياضة - كمثل الجيفة المجمدة التي تنتظر الفرصة المناسبة ليظهر نتنها بما يزكم منه الأنوف ..فطريق الخلاص هو ( دفنها ) في التراب لتتحلل وتستحيل إلى مادة أخرى لا تنطبق عليها وصف الجيفة ..فصاحب القلب السليم هو الذي تخلص من رذائل نفسه ( بقطع ) مادتها ، إذ خلي باطنه من الجيفة بكل أشكالها .
الومضة رقم 259: إحسان من أسلم وجهه
قد يستفاد من قوله تعالى{ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن **:أن الإحسان من حالات المسلِّم وجهه لله تعالى ..فموضوع الآية في الدرجة الأولى هو العبد الذي أصلح ( وجهة ) قلبه وأسلمها للحق وأعرض بها عمن سواه ، ومن ثَمَّ صدر منه ( الصالحات ) من الأعمال ، كشأن من شؤون ذلك الموضوع ..ومن المعلوم أن رتبة الموضوع سابقة لرتبة الحالات الطارئة عليه ، وعليه فلا يؤتي الإحسان ثماره إذا لم تصلُح وجهة القلب هذه ..ومن هنا لم يقبل الحق قربان قابيل ، لأنه صدر من موضوعٍ لم تتحقق فيه قابلية الإحسان ، إذ قال تعالى: ** إنما يتقبل الله من المتقين **.
الومضة رقم 260: كالسائر على طرف حائط
إن مَثَل السائر إلى الحق ، كَمَثل من يمشي على طرف حائط عالٍ ، يرى منه جمال الأفق بألوانها الآخذة بمجامع القلوب ، فلا يحتاج إلى ( الحـثّ ) للنظر إلى فوق ، لأنه مستمتع بنفسه ومستغرق بمشاهدة ألوان الجمال ، كما لا يحتاج إلى ( الزجر ) عن النظر إلى تحت ، لأنه بنفسه يخاف السقوط وما يستتبعه من حرمان للجمال وسقوط في الهاوية ، فالمهم في السائر إلى الحق أن يرى تلك الصور الجمالية التي تستتبع بنفسها الزجر من الإعراض عن ذلك الجمال ، والحث على الإقبال عليه.. وعندها ينتظم السير ويتباعد صاحبها من الزلل ، ويزداد الهدف وضوحاً والطريق إشراقاً .
الومضة رقم 261: إجتثاث الرذيلة الباطنية
أسند الحق الشح في آية: {ومن يوق شح نفسه** إلى النفس ، إذ من المعلوم أن الحركات الخارجية تابعة لحركات الباطن ..والشحّ الذي هو أشد من البخل - والذي يتجلى خارجا في منع المال - منشأه حالة في الباطن ..ومن دون علاج هذا الشح ( الباطني ) ، يبقى الأثر ( الخارجي ) للشح باقيا ، وإن تكلّف صاحبه في دفعه - خوفا أو حياء - كما نراه عند بعض متكلفي الإنفاق ..وهكذا الأمر في باقي موارد الرذائل ، كمتكلفي التواضع والرفق وحسن الخلق ..فاللبيب هو الذي ( يجتثها ) من جذورها الضاربة في أعماق النفس ، بدلا من ( تشذيب ) سيقانها المتفرعة على الجوارح .
الومضة رقم 262: من أرجى آيات القرآن
إن من أرجى الآيات قوله تعالى: ** فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين **..والسر في ذلك أنها نازلة بحق اليهود وقبائحهم من عبادة العجل ، وكفران النعم ، وقتل الأنبياء ، ونقض الميثاق ، مع ما رفع فوقهم من جبل الطور تخويفا لهم ، كما ذكر في صدر الآية: ** ورفعنا فوقكم الطور.. .ثم توليتم من بعد ذلك ** ..فإذا استعمل الحق الودود ( أناتـه ) مع هؤلاء القوم ، فكيف لا يستعملها مع عصاة الأمة المرحومة ( بشفاعة ) نبيها (ص) ، وهم دون ما ذكر من قبائح بني إسرائيل بكثير ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!.
الومضة رقم 263: التحايل في الحكم الشرعي
يستفاد من شدة عذاب بني إسرائيل عندما اعتدوا في السبت ، وتحايلوا في العمل بالحكم الشرعي ، أن الحق تعالى لا يحب ( تفويت ) مراده باحتيال العبد والتفافه حول حكم مولاه ، فإن كمال العبودية هو تحصيل ( مراد ) الحق ، إذا علم به العبد كيفما كان .
الومضة رقم 264: الاعتقاد بالبداء عند الدعاء
إن من الأمور المشجّعة على الإلحاح في الدعاء ، هو الاعتقاد ( بالبداء ) ..فإن الأمر بيد المولى الذي لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء ، وهو القادر على تغيير المفاسد في الحوائج ، إلى ( المصالح ) التي بحسبها يتغير ملاك الاستجابة نفياً وإثباتاً ..وعليه فما المانع من استقامة العبد في مطالبة الرب القدير بقضاء الحوائج العظمى كتغيير مقدرات الأمم ، فضلا عن تغيير مقدراته الفردية من الشقاء إلى السعادة ؟!..ومن أمثلة الاستجابة في الحوائج العظمى ، هو إعمال البداء في توقيت فرج وليه (ع) الذي ورد في حقه: ** أن الله يصلح أمره في ليلة ، كما أصلح أمر كليمه موسى (ع) ليقتبس لأهله ناراً ، فرجع وهو رسول نبي **البحار-ج51ص156 .
الومضة رقم 265: القعود على الصراط المستقيم
ينحصر طلب الداعي في سورة الفاتحة - بعد مقدمات الحمد والثناء - في ( الاستقامة ) على الصراط ، كما انحصر تهديد الشيطان من قبلُ ، ( بالقعود ) على الصراط المستقيم نفسه ..ومن مجموع الأمرين يُعلم أن معركة الحق والباطل إنما هي في هذا الموضع ، والناس صرعى على طرفيها ، وقد قلّ الثابتون على ذلك الصراط المستقيم ..ومن هنا تأكدت الحاجة للدعاء بالاستقامة في كل فريضة ونافلة ..وليُعلم ان الذي خرج عن ذلك الصراط: إما بسبب ( عناده ) وإصراره في الخروج عن الصراط باختياره وهو المغضوب عليه ، وإما بسبب ( عماه ) عن السبيل وهو الضال .
الومضة رقم 266: الحق أولى بحسنات العبد
إن الله تعالى أولى بحسنات العبد من نفسه ، لأن كل الآثار الصادرة من العبد إنما هو من بركات ( وجود ) العبد نفسه ، والحال أن وجوده إنما هو ( فيض ) من الحق المتعال حدوثا وبقاء ..أضف إلى أن ( مادة ) الحسنة التي يستعملها العبد في تحقيق الحسنات ، ينتسب إلى الحق نفسه بنسبة الإيجاد والخلق ..فيتجلى لنا - بالنظر المنصف - أن دور العبد في تحقيق الحسنة ، دور باهتٌ قياسا إلى دور الحق في ذلك ..فلـيُقس دور مؤتي الزكاة من الزرع ، إلى دور محيي الأرض بعد موتها ، وما تمر فيها من المراحل المذهلة التي مكّنت المعطي من زكاته ، والتي هي أشبه بالأعجاز لولا اعتيادنا لها بتكررها..ومن هنا أسند الحق الزرع إلى نفسه ، رغم أن الحرث من العبد ، فقال : ** أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ** .
الومضة رقم 267: التدريب على تعظيم المخلوق
لا يبعد أن يكون ( الأمر ) بالسجود لآدم (ع) ، ( تدريباً ) للخلق على تعظيم المخلوق بأعلى صور التعظيم ، المتمثل بالسجود الذي لا يجوز لغيره تعالى ، وذلك فيما لو كان ذلك التعظيم بأمر من الحق نفسه ..ويظهر أثر ذلك في تعاملنا مع المعصومين (ع) ، فنوطّن أنفسنا على أعظم درجات الخضوع والتعظيم ، ما دام ذلك ( بأمـر ) من المولى وبرغبة أكيدة منه ، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ..وقد عمل بذلك آدم نفسه - عندما توسل بهم في بدء الخليقة - عند تلقّي الكلمات من ربه ، المتمثلة بالنبي وآله عليهم السلام ، كما رواه الكليني والصدوق والعياشي .
الومضة رقم 268: عبادة الحق كما يريد
طلب إبليس من الحق أن يعفيه من السجود لآدم (ع) ، مقابل عبادة لم يعبدها ملك مقرب ولا نبي مرسل ، فكان جواب الحق كما روي عن الصادق (ع): ** لا حاجة لي في عبادتك ، إنما عبادتي من حيث أريد ، لا من حيث تريد **البحار-ج11ص141..وفي ذلك بيان لقاعدة عامة ، وهي أن العبادة المطلوبة للحق هي ما طابقت إرادة ( المعبود ) لا رغبة ( العابد ) ..ومن هنا يكتشف العبد ضلالة سعيه إذا لم يكن مطلوبا للحق ، وإن وجد العبد سعيه حسناً ، مصداقا لقوله تعالى: ** الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً **.
الومضة رقم 269: القشر واللب
إن لعالم الوجود قشراً ولبـّا ، قد عبر القرآن عن الأول بظاهر الحياة الدنيا ، بما يفهم منه أن له باطنا أيضا وهو اللب ..فإذا أعمل الحق المتعال خلاّقيته بما يُذهل الألباب في الظاهر، فقال تعالى: ** تبارك الله أحسن الخالقين **و{ بديع السموات والأرض **و{ أعطى كل شئ خلقه ثم هدى **و{ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح **..فكيف بآثار خلاقيته في عالم الألباب ؟! ، وهي الأرواح التي نسبها الحق إلى نفسه فقال : ** قل الروح من أمر ربي **و{ ونفخت فيه من روحي **..ومن هنا يعلم شدة تقصير العبد في ( تزيين ) أكثر المخلوقات قابلية للجمال والكمال ، وهي ( نفسه ) التي بين جنبيه .
الومضة رقم 270: انقطاع تسبيح الثوب
أمر رسول الله (ص) عائشة بغسل برديه فقالت: بالأمس غسلتهما ، فقال لهـا: ** أما علمت أن الثوب يسبح ، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه **الدر المنثورج4ص185..فالمستفاد من هذه الرواية أن القذارة ( الظاهرية ) مانعة من التسبيح ( التكويني ) ..وهنا نتساءل:كيف لا تكون القذارة ( الباطنية ) مانعة من التسبيح ( الاختياري ) ؟!..ومن صور الظلم أن يسبب العبد ما يوجب انقطاع تسبيح خلق من خلقه .
الومضة رقم 271: العقوبة في الطبيعة
أشار الحق في سياق العقوبات التي حلت ببني إسرائيل ، أن ماءهم تحول إلى دمٍ ، فقال : ** فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم **.. فما المانع من حلول ( الغضب ) بعد مقتل الحسين (ع) ، بنفس الأسلوب من العقوبة كما ورد من وجود الدم ( العبيط ) تحت الحجارة في بيت المقدس ؟!..وكقول زينب (ع): ** أفعجبتم أن قطرت السماء دما ؟! ** .
الومضة رقم 272: المعية العامة والخاصة
إن هناك فرقا شاسعا بين المعيّـة الخاصة للحق المتمثلة بقوله: ** إن الله مع الذين اتقوا ** ، وبين المعيّة العامة المتمثلة بقوله: ** وهو معكم أينما كنتم **..ففي الأول معيـّة ( النصر ) والتأييد ، وفي الثاني معيـّة ( الإشراف ) التكويني المستلزم للرزق والحفظ وغيره ..والفرق بين المعيّـتين كالفرق بين إطلالة الشمس على الغصن الرطب واليابس ، ففي الأول معـية التربية والتنمية ، وفي الثاني المعيـة التي لا ثمرة لها غير المصاحبة المجردة .
الومضة رقم 273: القلبان في جوف واحد
نفى الحق المتعال أن يكون لرجل ( قلبان ) في جوفه ، وقد روي عن الصادق (ع) أنه قال : ** ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، يحب بهذا قوما ويحب بهذا أعدائهم **التبيان-ج9ص313..فإن للعبد ( وجهة ) غالبة في حياته ، وهـمّ واحد ، يدفعه لتحقيق آماله وأمانيه ، وتلك الوجهة هي التي تعطي القلب وصفا لائقا به ، فإذا كان إلهيـّا استحال القلب إلهيـّا وكذلك في عكسه ..فإذا اتخذ العبد وجهته ( الثابتة ) في الحياة ، لم تؤثر الحالات ( العارضة ) المخالفة في سلب العنوان الذي يتعنون به القلب .
الومضة رقم 274: التدبر فيما وراء الفقه
روي عن الصادق (ع) : ** إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت ملكا عظيما ، لا يطأ بساطه إلا المطهرون ، ولا يؤذن لمجالسته إلا الصديقون ** البحارج80ص373..وهذا الخبر يعطي درسا بليغا في تعامل العبد مع كل صور الطاعة ..فالمطلوب من العبد دائما أن يترجم لغة ( الفقه ) إلى لغة التدبر فيما ( وراء الفقه ) ، و ينتقل من ( لسان ) الحكم الشرعي إلى البحث عما وراءه من ( الملاكات ) المرادة لصاحبها ، ويترقى من حالة التعبد ( الحرفي ) بالأوامر والنواهي ، إلى التفاعل ( الشعوري ) مع الآمر والناهي ..فإذا طالب الحق عبده بمثل هذه المشاعر العالية عند بلوغ المسجد ، فكيف بالواجبات المهمة في حياة العبد ، عند بلوغه ساحة الحياة بكل تفاصيلها ؟! .
الومضة رقم 275: الصبغة الواحدة
إن الكون - على ترامي أطرافه وتنوّع مخلوقاته - متصف بلون واحد وصبغة ثابتة ، وهي صبغة العبادة التكوينية التي لا يتخلف عنها موجود أبدا ..والموجود المتميز بصبغة أخرى زائدة غير العبادة ( التكوينية ) هو الإنسان نفسه ، فهو الوحيد الذي وهبه الحق منحة العبادة ( الاختيارية )..وبذلك صار المؤمن وجودا ( متميزا ) من خلال هذا الوجود المتميز أيضا ، لأنه يمثل العنصر الممتاز الذي طابقت إرادته إرادة المولى حبا وبغضا ..ولذلك يباهي الحق - فيمن يباهي فيهم من حملة عرشه والطائفين به - بوجود مثل هذا العنصر النادر في عالم الوجود ..والسر في ذلك أن الحق تعالى مكنّه من تحقيق إرادته مع ما جعل فيه من دواعي الانحراف كالشهوة والغضب ، وقد ورد: ** أن طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات ، أعني لكم الحلال والحرام .. فأنف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة ، فالقى الله في همة أولئك الملائكة اللذات والشهوات ، فلما أحسوا بذلك عجّـوا إلى الله من ذلك ، فقالوا ربنا عفوك عفوك ، ردّنا إلى ما خلقتنا له فإنا نخاف أن نصير في أمر مريج **البحار-ج8ص141 .
الومضة رقم 276: لو فرض مَحالاً
لو افترض محالا أن الخلق كلهم عبيد لأحدنا ، وافترض أن عباداتهم إنما هي بحقنا ، ( لاستصغرنا ) ذلك منهم ، وتوقعنا منهم أكثر من ذلك بكثير ، بل لانتابنا شعور بالسخط ولزوم التأديب ، لما نراه من حقارة تعظيمهم إيانا قياسا إلى عظيم حقنا عليهم ..ومن هنا تتجلى ( أنـاة ) الحق في إحتمال عباده ، الذين يغلب - حتى على الصالحين منهم - ( الغفلة ) عنه في أكثر آناء الحياة ..ومن ذلك يعلم أيضا العفو العظيم من الرب الكريم ، الموجب لإعفاء الخلق من كثير من العقوبات مصداقا لقوله تعالى: ** وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير **و{ لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ** .
الومضة رقم 277: القدرة المستمدة من الحق
إن الالتفات إلى ( عظمة ) الحق في عظمة خلقه ، وإلى ( سعة ) سلطانه في ترامي ملكه ، وإلى ( قهر ) قدرته في إرادته الملازمة لمراده ، كل ذلك يضفي على المرتبط به - برابط العبودية - شعورا بالعزة والقدرة المستمدة منه ..ولهذا يقول علي (ع): ** الهي كفى بي عزا أن أكون لك عبداً ، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً **البحار-ج77ص402..هذا الإحساس لو تعمّق في نفس العبد ، لجعله يعيش حالة من الاستعلاء ، بل اللامبالاة بأعتى القوى على وجه الأرض - فضلاً عن عامة الخلق الذين يحيطون به - لعلمه بتفاهة قوى الخلق أجمع ، أمام تلك القدرة اللامتناهية لرب الأرباب وخالق السلاطين .
الومضة رقم 278: عظمة الخالق في النفس
قد ورد في وصف المتقين أنه قد: ** عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم **..فلنتصور عبدا وصل إلى هذه الرتبة المستلزمة لصغر ما سوى الحق في عينيه ، كيف يتعامل مع كل مفردات هذا الوجود ؟!..فإن صغر ما سوى الحق عنده ، يجعله لا ( يفرح ) بإقبال شئ عليه ، كما لا يأسى على فوات شئ منه ، كما لا ( يستهويه ) شئ من لذائذها ، ما دام ذلك كله صغيرا لا يستجلب نظره ، كالبالغ الذي يمر على ما يتسلى به الصغار غير مكترث بشيء من ذلك ..وفي المقابل فإن من صغُر الحق في نفسه ، فإنه ( يكبر ) كل شئ في عينه ، فاللذة العابرة يراها كاللذة الباقية ، والمتاع الصغير وكأنه منتهى الأماني لديه ، والخطب اليسير في ماله وبدنه كأنه بلاء عظيم لا زوال له ، وهكذا يعيش الضنك في العيش الذي ذكره القرآن الكريم ..وليعلم في هذا المجال أن كبر الدنيا في عين العبد ، تدل بالالتزام على صغر الحق المتعال في نفسه ، وفي ذلك دلالة على ( خطورة ) ما فيه العبد وإن ظن بنفسه خيرا .
الومضة رقم 279: الحركة حول محور واحد
إن في عالم الطبيعة حركةً دائبةً حول محور واحد لا تتخلف أبدا ، كحركة النواة والمجرّات والمجموعات الشمسية حول محاورها ..فالمطلوب من العبد المخـتار أيضا أن ينسجم مع هذه الحركة ( الكونية ) ، فتكون له حركته الدائبة والثابتة حول محور واحد في الوجود بلا انقطاع ..وقد طالب الحق المتعال عباده بهذه الحركة المادية أيضا و( المشابهة )لحركة الطبيعة ، وذلك بالأمر بالطواف حول محور بيته الحرام ..ومن الملفت في هذا المجال أن جهة الطواف - بعكس حركة الساعة - تشابه الحركة الدائرية ( للتكوينيات ) وفي الاتجاه نفسه ، والتي يغلب على مداراتها عدد السبعة أيضا .
الومضة رقم 280: الإخلاد إلى الأرض
إن كلمة اثّـاقلتم في قوله تعالى: ** اثاقلتم إلى الأرض ** تشعر بأن الإخلاد إلى الأرض ، كسقوط الأثقال إلى الأسفل ، في أنها حركة ( طبيعية ) لا تحتاج إلى كثير مؤونة ، بخلاف الحركة إلى الأعلى ، فإنها حركة ( قسرية ) تحتاج إلى بذل جهد ومعاكسة للحركة الطبيعية تلك ..ولهذا ورد التعبير ( بالنفر ) في قوله تعالى: ** إنفروا في سبيل الله **..و( الفرار ) في قوله تعالى: ** فروا إلى الله **..و( المسارعة ) في قوله تعالى: ** سارعوا إلى مغفرة من ربكم **، مما يدل جميعا على أن الوصول إلى الحق ، يحتاج إلى نفر وفرار ومسارعة ..وفي كل ذلك مخالفة لمقتضى الطبع البشري ، الميال إلى الدعة والاستقرار والتباطؤ .
الومضة رقم 281: التعالي عن عامة الخلق
إن مثل المتعالي عما يشتغل به عامة الناس ، كمثل من أرغم على الاشتراك مع من هم دون سن البلوغ في لهوهم ولعبهم ..فيجد كثير ( معاناة ) في هذه المعاشرة ، لعدم وجود ( الأنس ) مع من لا تربطه بهم صلة في علم و لا عمل ..فعلى المؤمن - المبتلى بمثل هذه الحالة - أن يعاشر الخلق ببدنه لا بروحه ، ليتخلص من تبعات عدم التوافق الذي ينغص عيشه ..ومن الضروري في مثل هذه الحالة ، كتمان حالات الضيق التي تنتابه معهم ، إذ أن في ذلك ( انتقاص ) غير محمود ، قد يعرّض نعمة العلو الروحي للزوال ، كما ينبغي الالتفات الدقيق إلى عدم الوقوع في دائرة العجب المهلكة ، عندما يرى في نفسه من الكمال ما لا يراه في عامة الخلق ، لأن المعجب الواجد للكمال أقرب للهلاك من الفاقد له .
الومضة رقم 282: صراحة أمير المؤمنين (ع)
يكتب أمير المؤمنين (ع) كتابا إلى واليه يقول فيه: ** تعمر دنياك بخراب آخرتك ، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك ، ولئن كان ما بلغني عنك حقا ، فبعير أهلك وشسع نعلك خير منك ومن كان بصفتك **البحار-ج33ص506.. فتبلغ صراحة أمير المؤمنين (ع) ، وتنمّره في ذات الله تعالى مبلغا يجعل شسع النعل ، خيرا ممن ينحرف عن طريق الحق ..لوضوح أن شسع النعل لا ( غضاضة ) في وجوده ، إذ أنه ( مسبح ) للحق بلسان حاله أو مقاله ، كباقي موجودات هذا الكون الفسيح ، خلافا لمن ( حـاد ) عن جادة الحق فهو دون البعير وشسع النعل بل أضل سبيلا .
الومضة رقم 283: الاشتغال بالفسيح
إن مواجهة القلب مواجهة متفاعلة مع أمور الدنيا - وخاصة المقلق منها - مما ( تضيّق ) القلب ..إذ أن القلب يبقى منشرحا إذا اشتغل ( بالفسيح ) من الأمور التي تتصل بالمبدأ والمعاد ..والقلب الذي يشتغل بالسفاسف من الأمور ، يتسانخ مع ما يشتغل به ، فيضيق تبعا لضيق ما اشتغل به ..والحل - لمن لابد له من التعامل مع الدنيا - أن يرسل إليها ( حواسه ) وفكره القريب إلى حواسه ..وأما ( القلب ) والفكر القريب إلى قلبه ، فيبقى في عالمه العلوي الذي لا يدنّـسه شئ ..فمَثَل القلب كمَثَل السلطان الذي يبعث أحد رعاياه لفك الخصومات وغيرها ، ولا يباشرها بنفسه لئلا تزول هيبة سلطانه .
الومضة رقم 284: صنوف الكمال
يمكن القول أن جميع صنوف الكمال مجتمعة في قوله تعالى: ** وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى **..فإن فيه كمال ( معرفة الرب ) ، لأنه لولا هذه المعرفة لما عرف مقام الرب ، وبالتالي لم يتحقق منه الخوف من صاحب ذلك المقام ..وفيه كمال مرتبة ( القلب السليم ) لأن الخوف من مقام الرب لا ينقدح إلا من القلب السليم ، الذي خلي من الشوائب بما يؤهله لنيل تلك المرتبة من الخوف ..وفيه كمال مرتبة ( العمل الصالح ) الذي يلازم نهي النفس عن الهوى ، إذ أن الذي يصد عن العمل الصالح ، هو الميل إلى الهوى الذي لا يدع مجالا لتوجه القلب إلى العمل الصالح .
الومضة رقم 285: كثرة الهموم
إن كثرة الهموم والغموم تنشأ من تعدد مطالب العبد في الحياة الدنيا ، فكلما ( يـأس ) من تحقيق مأرب من مآربه ( انتابه ) همّ الفشل ، فإذا تعددت موارد الفشل تعددت موجبات الهموم ، وتبعاً لذلك تتكاثف الهموم على القلب بما تسلبه السلامة والاستقامة ..فلو نفى العبد عن قلبه الطموحات الزائفة ، وتضيّقت عنده دائرة المحبوبات ، واقتصرت همّته على ما يحسن الطمع فيه والطموح إليه ، ( قلّت ) عنده فرص الفشل ، وبالتالي نضبت روافد الهموم إلى قلبه ..وقد أشار أمير المؤمنين (ع) إلى هذه الحقيقة بقوله: ** قد تخلّـى من الهموم إلا هما واحداً **البحار-ج2ص56..ومن هنا يعيش الأولياء حالة من ( النشاط ) والانبساط الذي يفقده - حتى المترفون - من أهل الدنيا ، وذلك لانصرافهم عما لا ينال ، وتوجّههم إلى ما يمكن أن ينال في كل آن ، وهو النظر إلى وجهه الكريم .
الومضة رقم 286: السعة المذهلة للوجود
ورد في الحديث: ** ما السموات السبع والأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة ، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في الفلاة **البحار-ج58ص2..إن استشعار هذه الحالة - وخاصة - عند مواجهة الحق في الصلوات والدعوات ، يجعل العبد يعيش حالة ( التذلّل ) والانبهار أمام هذه القدرة التي لا تتناهى ، والسلطان الذي لا يدرك كنهه ..فمن موجبات ( تعميق ) محبة المحبوب هو الالتفات التفصيلي لما عند المحبوب من صفات وقدرة ، ولما يتمتع به من جمال وجلال ..والأمر عند عشاق الهوى كذلك ، إذ أنهم يختارون من يجتمع فيهم الجمال والاقتدار ..فالأول عنصر ( اجتذاب ) يوجب دوام محبة المحبوب ..والثاني عنصر ( ارتياح ) يوجب قضاء مآرب الحبيب .
الومضة رقم 287: حقيقة الاسترجاع
إن حقيقة آية الاسترجاع: ** إنا لله وإنا إليه راجعون **لو تعقلها العبد بكل وجوده ، لأزال عنه الهمّ الذي ينتابه عند المصيبة ..والسر في ذلك أن الآية تذكّره بمملوكية ( ذاتـه ) للحق ، فضلا عن ( عوارض ) وجوده ..وهذا الإحساس بدوره مانع من تحسّر العبد على تصرف المالك في ملكه - وإن كان بخلاف ميل ذلك العبد - إذ أنه أجنبي عن الملك قياسا إلى مالكه الحقيقي ..كما تذكره ( بحتميّة ) الرجوع إليه المستلزم ( للتعويض ) عما سلب منه وهو مقتضى كرمه وفضله ، وإن ذكرنا آنفا أن سلب الملك من شؤون المالك لا دخل لأحدٍ فيه ، كما يقال في الدعاء: ** لاتضادّ في حكمك ولا تنازع في ملكك **..كل هذه الآثار مترتبة على وجدان هذه المعاني ، لا التلفظ بها مجردة عما ذكر .
الومضة رقم 288: روح الدعاء
رأى الإمام الحسن (ع) رجلا يركب دابةً ويقول: ** سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين **فقال (ع) أبهذا أمرتم؟ ، فقال بم أمرنا؟ ، فقال (ع): ( أن تذكروا نعمة ربكم ) ..ومن ذلك يعلم أن حقيقة الأدعية المأثورة تتحقق بالالتفات الشعوري إلى مضامينها ..إذ أن الدعاء حالة من حالات القلب ، ومع عدم تحرك القلب نحو المدعو وهو ( الـحق ) والمدعو به وهي ( الحاجة ) ، لا يتحقق معنىً للدعاء ..وبذلك يرتفع الاستغراب من عدم استجابة كثير من الأدعية ، رغم الوعد الأكيد بالاستجابة ، وذلك لعدم تحقق الموضوع وهو ( الدعاء ) بالمعني الحقيقي الذي تترتب عليه الآثار .
الومضة رقم 289: الملَكَة أشرف من العمل
إن رتبة ملكة التقوى أشرف من رتبة العمل الصالح لجهات: منها أن صاحب الملكة متصف بتلك الملكة وإن ( انقطع ) عن العمل ، فالكريم كريم وإن لم يكن متلبساً بالإكرام الفعلي ..ومنها أن العمل الصالح قد تشوبه ( شوائب ) العمل من الرياء وغيره ، والحال أن الملكة حالة راسخة في الباطن ، فلا مجال لإبدائها بنفسها في الظاهر لجلب رضا المخلوقين ، وإن بدت آثارها في الخارج ..ومنها أن العمل الصالح قد ( يفارق ) العبد ولا يعود إليه لوجود ما يزاحم تحققه ، ولكن الملكة صفة لازمة للنفس ..ومنها أن الملكة قائمة بالروح ( الباقية ) بعد الموت أيضا ، والعمل الصالح قائم بالبدن ، ولهذا ينقطع بانقطاع الحياة ..ومنها أن العمل من ( آثار ) الملكة التي منها يترشح العمل المنسجم مع تلك الملكة ، ورتبة ما هو كالسبب ، أشرف من رتبة ما هو كالمسبَّب .
الومضة رقم 290: الحسنة في الدنيا والآخرة
إن من يهوى الدنيا ، يطلبها بكل متعها ، من دون ( تقييدها ) بكونها حسنا عند الحق المتعال ..وذلك لأن كل ما فيها - مما يطابق الهوى - مطلوب لديه ..وهذا بخلاف المؤمن الذي لا يريد من الدنيا والآخرة ، إلا ما كان ( حسناً ) عند مولاه ..ولهذا يوكل أمر آخرته ودنياه إليه ، لأنه الأدرى بالحسن الذي يلائمه بالخصوص ..وقد روي عن الإمام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى : ** ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة **أنه قال : ( رضوان الله والجنة في الآخرة ، والسعة في الرزق ، وحسن الخلق في الدنيا ) .
الومضة رقم 291: التركيز في غير الصلاة
يتذرع الكثيرون الذين لا يملكون القدرة على التركيز - في الصلاة والدعاء - بذرائع واهية من عدم القدرة على مثل ذلك ، بما يوهم سقوط التكليف بالصلاة الخاشعة ..والحال أن هؤلاء أنفسهم يملكون أعلى صور التركيز في مجال عملهم ، بل في مجال العلوم التي تتطلب منهم التركيز الذهني المتواصل ..والسر في ذلك واضح وهو رغبتهم ( الأكيدة ) في مثل هذا التركيز فيما يحبون ، طمعا لما وراءه من المنافع ..ولو تحققت فيهم مثل هذه ( الرغبة ) في التركيز - عند الصلاة والدعاء - طلبا لعظيم المنافع فيهما ، ( لأمكنهم ) مثل هذا التركيز أيضا بل أشد من ذلك ..وتتجلّى ضرورة مثل هذا التركيز ، بالتأمل فيما روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : ** من كان قلبه متعلقاً في صلاته بشيء دون الله ، فهو قريب من ذلك الشيء ، بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته **تفسير الصافي-ج4ص161 .
الومضة رقم 292: سكر الشهوة والغضب
كما أن ( المسكرات ) سالبة للعقل ، فكذلك ( الشهوة ) و ( الغضب ) تسلبان الإرادة من صاحبهما حتى يوصلاه إلى ما يقرب من السكر بل الجنون!!..فالمردود السلوكي متشابه في كل من المسكر والشهوة والغضب ‍‍‍..فعلى المؤمن - الذي لا بد وأن يمارس شهوته في فترات من حياته - أن لا يسترسل أثناء ممارسته لتلك الشهوة بما يفقده حالة الاعتدال ..ومن هنا أحاط الشارع الحكيم ( معاشرة ) النساء بأحكام وجوبيه وإستحبابية - حتى في الليلة الأولى منها - لئلا يعيش العبد حالة من الذهول المطلق عن مولاه عند فوران شهوته ..وقد وصف أمير المؤمنين (ع) بوصف بليغ تلك الحالة بقوله: ** حياء يرتفع ، وعورات تجتمع ، أشبه شيء بالجنون !! ، الإصرار عليه هرم ، والإفاقة منه ندم ** - غرر الحكم .
الومضة رقم 293: السياحة اللاهادفة
إن على المؤمن أن يحترز عن السياحة ( اللاهادفة ) التي لا يتأتّى فيها قصد ( القربة ) إلى الحق ..فإن جميع حركات العبد وسكناته ، ينبغي أن تكون مقرونة ( بالنـّية ) التي تربطه بالعلة الغائية في أصل وجوده ..وإلا فإن مجرد التنقل من بلد إلى بلد لا قيمة له في حد نفسه ، سوى ما يستوجبه شيئا من الاسترخاء والارتياح ، الذي يزول مع العودة إلى البيئة التي كان فيها العبد ، ليعاني فيها - مرة أخرى - مشاكله التي غفل عنها في سفره ..وهذا خلافا للسياحة التي ترتبط بهدف مقدس: كمواطن الطاعة والارتباط بالحق أو بأوليائه ، أو كالمواطن التي تعينه على استرجاع النشاط ، لمواصلة سبيل العبودية بجد واجتهاد ..فإن أثرها متسمٌ بالبقاء والخلود ، لأنه مصداق لما عند الله تعالى ..وقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) بعد تقسيم الساعات لمناجاة الله تعالى ولأمر المعاش ولمعاشرة الإخوان : ** وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرم ، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات **البحار-ج78ص321 .
الومضة رقم 294: الاستلقاء بعد التثاقل
يستحسن في بعض الحالات التي يعيش فيها العبد حالة ( التثاقل ) الروحي أن يستلقي في جوّ هادئ ، ليعيش شيئا من ( التركيز ) الذهني فيما يحسن التفكير فيه ..وهذا الإستلقاء بمثابة إعادةٍ لحالة ( التوازن ) النفسي الذي يخـتل في زحمة الحياة ، سواء في دائرة مشاكله الخاصة أو العامة ..ومن هنا نلاحظ التركيز الكثير من الشارع على أدعية ما قبل النوم ، ليستذكر العبد ما نسيه في معترك التعامل مع ما سوى الحق المتعال .
الومضة رقم 295: روح الصلاة
إن على العبد أن يسعى للوصول إلى مرحلة يعيش فيها ( روح ) الصلاة طوال ليله ونهاره ..فإن روح الصلاة هي التوجه للحق ، وما الصلاة إلا قمّـة ذلك ( التوجه ) العام ، وهي موعد اللقاء الذي أذن به الحق المتعال لجميع العباد ..ومن هنا كان الذاهل عن ربه - في ليله ونهاره - عاجزا عن الإتيان بالصلاة التي أرادها منه ، إذ أنه وصفها بقوله: ** وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين **..و هذه هي من صور الإعجاز ، لأن الصلاة على خفّـتها على البدن ، يستشعر ثقلها غير ( الخاشعين ) ، بما يفوق ثقل بعض الأعمال البدنية الأخرى .
الومضة رقم 296: عدم الذهول عند الخطاب
يحسن بالداعي أن يعيش ولو أدنى درجات ( التوجّـه ) والجديّـة في الخطاب ، عند حديثه مع الرب بقوله: ** اللهمّ **..فإن خطاب العظيم مع الذهول عنه - عند ندائه - لمن صور سوء الأدب الذي قد يوجب عدم التفات ذلك العظيم إلى ما يقوله المتكلم بعد ذلك ..فلا يحسن بالداعي أن يهمل صدر الخطاب وهو ( نداء ) الرب الكريم ، ويتوجه بقلبه في ذيله وهو ( طلب ) الحوائج ..إذ يتجلى بذلك حالة النفعية والطمع ، مع الإخلال ( بالأدب ) عند مخاطبة العظيم .
الومضة رقم 297: الحيران في الأرض
يصوّر الحق - فيما يصور - حالة العبد الضّـال المتحير في هذه الحياة ، المبتعد باختياره عن جادة الهدى ، فيقول: ** كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى **..فهو إنسان حائر وكأنه على مفترق طرق عديدة ، لا يعلم طريق الخلاص منها ، والشياطين تحيط به تطلب هواه ، بمعنى أنها تطلب منه أن يهوى ما فيه ( هلاكه ) ، أو بمعنى أنها تطلب منه ( الحب ) والهوى لنفس الشياطين ، وذلك بحبّ ما تدعو الشياطين إليه ..فتكون الصورة الثانية أبلغ في تجسيد هذا الخذلان ، لأنها تمثل الشياطين وكأنها امرأة تطلب هوى الغريم ، وتسعى لإيقاعه في عشقها ، ومن ثَمَّ الفتك بهذا العاشق البائس بعد ( ارتمائه ) في أحضانهـا .
الومضة رقم 298: التصرف في الحس
ذكر الحق في كتابه الكريم: ** إذ يغشيكم النعاس أمَـَنة منه **، وقال أيضا: ** وإذ يريكموهم في أعينكم قليلا ** ، مما يستفاد من ذلك أن الحق يتصرف حتى في ( حواس ) العباد ، لمصلحة يراها بحكمته ، إضافة إلى تصرفاته في ( النفوس ) ، كقوله تعالى: ** وقذف في قلوبهم الرعب **..هذا الاعتقاد اليقيني ( بهيمنة) الحق على شؤون العباد ، وكونهم جميعا في قبضته ، يبعث المؤمن على الارتياح التام إلى نصرة الحق ، ولو استلزم التصرف في عالم الأبدان ، فضلا عن عالم النفوس .
الومضة رقم 299: صرف الكيد
ذكر الحق في كتابه مستجيبا لدعاء نبيه يوسف (ع) فقال : ** فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن **، مما يدل على أن الحق رغم أنه أعطى العبد الاختيار في الأفعال - فله أن يختار المعصية أو الطاعة - إلا أنه في الوقت نفسه ، حريص على استقامة عبده الذي ( استخلصه ) لنفسه ، وجعله في دائرة رعايته الخاصة ، فيصرف عنه موارد الكيد والفتنة ، كما طلبها يوسف (ع) من ربه ..وهذا من مصاديق ( التوفيق ) الذي يتجلى في تيسير سبيل الطاعة للعبد تارة ، وإبعاده عن سبيل المخالفة تارة أخرى ، خلافا ( للخذلان ) الذي ينعكس فيه الأمر ..ومن هنا تأكّدت الحاجة للدعاء دائما بالتوفيق وتجنيب الخذلان ، ومن دون هذا التوفيق ، كيف يستقيم العبد في سيره إلى الحق ، مع وجود العقبات الكبرى في الطريق ؟!..ولهذا يدعو أمير المؤمنين كما روي عنه بقوله: ** إلهي إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق ، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق ؟! **.
الومضة رقم 300: كالالتفات إلى العورة
إن العبد الذي غَـلَب على وجوده ( هوى ) المولى ، يرى أن الالتفات إلى نفسه ( إرضاء ) لهـا وإعجابا منها بدلا من الالتفات إلى مولاه الحق ، كالنظر إلى ما يقبح النظر إليه كالعورة مثلا ..فكما قبح الثاني عند عامة الخلق ، فكذلك يقبح الأول عند الخواص من ذوي المعرفة بالحق ، فينتابهم شعور بالخجل عند الارتياح إلى ذواتهم ، وإشباع رغباتهم ، كمن بَـدَت عورته على حين غفلة ..ولعل هناك ارتباطاً بين أكل الشجرة المنهيّـة ، وبين بدوّ العورة في قوله تعالى: ** فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة **.



 

قديم 02-16-2013, 11:52 AM   #7


الصورة الرمزية علي إبراهيم
علي إبراهيم غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3738
 تاريخ التسجيل :  Nov 2012
 أخر زيارة : 03-16-2014 (10:24 PM)
 المشاركات : 5,946 [ + ]
 التقييم :  220
لوني المفضل : Cadetblue

اوسمتي

افتراضي



احسنت على مافعلت سيدتي الفاضلة بوضعك قسما كبيرا من ومضات الشيخ حبيب الكاظمي

جزاك الله الف خير


 

قديم 02-16-2013, 02:23 PM   #8
لبيك ياحسين


الصورة الرمزية نبراس علي
نبراس علي غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2019
 تاريخ التسجيل :  Nov 2010
 أخر زيارة : 08-27-2013 (06:15 PM)
 المشاركات : 23,893 [ + ]
 التقييم :  234
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Cadetblue

اوسمتي

افتراضي





بارك الله في عطائك ورحم الله والديك
جزاك الله خير الجزاء على المشاركة النورانية
اسال البارئ ان يجعله في موازين حسناتك
وآنار الله دربكِ بـ نور محمد وآلِ محمد
حفظكِ الله ورعاكـ


 

قديم 02-17-2013, 08:59 AM   #9
ذروة العـشق الإلهـــي


الصورة الرمزية سارة الدلوعة
سارة الدلوعة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2077
 تاريخ التسجيل :  Dec 2010
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:57 AM)
 المشاركات : 63,174 [ + ]
 التقييم :  452
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
ربي لا أدري ماتحمله لي الأيام لكن ثقتي بأنك معي تكفيني..
لوني المفضل : Cornflowerblue

اوسمتي

افتراضي



وَمَضَاتٌ وَمَا ألذّها عَلَى نُفُوسنَا الممتَزِجةُ بِ دَنسِ أيدينَآ
شُكراً وأكثَرْ ووأثابَكِ المَولَى خَيْراً يَ رقية


 

قديم 02-17-2013, 06:27 PM   #10
أسطورة العشق الإلهي..


الصورة الرمزية رقية حسين
رقية حسين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2970
 تاريخ التسجيل :  Feb 2012
 العمر : 24
 أخر زيارة : 08-08-2014 (11:55 AM)
 المشاركات : 9,566 [ + ]
 التقييم :  346
 MMS ~
MMS ~
 SMS ~
مر بيا لو طيف .. يا صاحب الزمان .. عذبني الغياب .. يا أغلى الأحباب
لوني المفضل : Indigo

اوسمتي

افتراضي



دمتم ودامت شموعكم تضيء متصفحي كل الاحترام والتقدير لكم..


 

موضوع مغلق

   
مواقع النشر (المفضلة)
   

   
الكلمات الدلالية (Tags)
لفضيلة, الشيخ, الكاظمي., حبيب, ومضات
   

   
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
100 درة في عاشوراء لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي نسمات الجنان أرشيف عشاق الإمام علي (عليه السلام) 6 11-20-2012 10:22 PM
من كلام الشيخ حبيب الكاظمي روحي فاطمية وثورة زينبية كربلاء الشهادة وحسين الاباء 4 11-19-2012 03:25 PM
كلمة قصيرة لسماحة الشيخ حبيب الكاظمي نبراس علي اسلامي هو حياتي 4 06-21-2012 11:36 PM
كتاب "الومضات" لفضيلة الشيخ حبيب الكاظمي نرجس منتدى الكتب والمكتبات والموسوعات الدينية والثقافية والعلمية 6 03-20-2011 06:08 PM
السعادة لشيخ حبيب الكاظمي. المنتظره لوعد الله اسلامي هو حياتي 10 01-31-2011 08:06 PM
   

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
   

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2011-2012
Developed By Marco Mamdouh
new notificatio by 9adq_ala7sas
اللهم بحق أشرف خلقك محمد وبحق سيدة نساء العالمين الزهراء وبحق أمير المؤمنين علي وبحق الشهيد المظلوم أبي عبد الله الحسين وبحق كل أنبيائك ورسلك وبحق التورة والإنجيل والقرآن وبحق القائمان بأمرك المسيح والمهدي أحفظ هذا الصرح الذي هو من فضلك ومن خيرك ومن كرمك ومن عطائك ومن نورك. قسماً بكل أسمائك وكل صفاتك ما هو إلا للوصل لرضائك ولنصرة أهل بيت رسول الله الذين كرمتهم بذكرهم في كتابك المجيد, وما هو إلا صرح لإحقاق الحق على الباطل, ولنصرة المظلوم على الظالم, ولدعم المقاوم أمام المحتل, ولتمهيد ظهور القائدان القائمان بأمرك. اللهم إنّا لا نسألك رد القضاء بل نسألك اللطف فيه والحمد الله على كل حال.
تصميم الستايل علاء الفاتك    http://www.moonsat.net/vb